حديث الأمل .. و »بشائر الخير«

ورقـــــة وقـلــم

9/27/2016 12:38:15 AM  
1200  
يــاســر رزق  

ورقـــــة وقـلــم

الناس لا تترك أوطانها إلا اضطراراً وعلي حبة العين.
إما بحثا عن أمن، أو التماساً لمأوي، أو سعياً من أجل لقمة عيش عصية المنال في البلاد.
فإذا كان الأمن متوافراً، والمأوي موجوداً، ولقمة العيش متاحة، يكون الفرار من الأوطان إلي طريق الهلاك، أمراً غير مستساغ، بالأخص في وجدان المصريين، الذين ما هجروا بلدهم، حتي وهي تحت الاحتلال.
قد يتفهم كثيرون أن البحث عن فرص رزق أوسع ومستقبل حياة أفضل في بلاد أخري حق مشروع للراغبين، لكن إذا كان هذا البحث هو قفز إلي مجهول، أو سعي وراء سراب، أو إلقاء بالنفس في دوامات اليم »بالمعني الحرفي»‬، يصير خيار تفضيل شراء الموت علي البقاء في الوطن، أمراً يحتاج إلي تشخيص دقيق، وإلي علاج ناجع.
لم يكن حادث غرق مركب الشباب والصبية المهاجرين إلي أوروبا في قلب أمواج البحر المتوسط الأسبوع الماضي هو الأول من نوعه.
شاهدنا حوادث غرق من هذا النمط، قبيل ثورة يناير ٢٠١١ في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وكذلك في الأعوام التي أعقبت الثورة.
لكن الحادث الأخير كان هو الأكثر إيلاماً لقلوب المصريين، نظرا للعدد الهائل من الضحايا الذي أسفر عنه، بما يزيد علي ١٧٠ إنساناً معظمهم من المصريين.
ربما هذا الحادث، كان سيتكرر كثيراً، وربما عدد الضحايا، كان سيتضاعف مرات، لولا أن قوات حرس الحدود أحبطت في العام الماضي وحده محاولات عديدة لمراكب كانت تحمل إجمالاً نحو ٤٠ ألف إنسان، قبل وصولها إلي المياه الدولية، حيث كانت تنتظرها سفن لنقل المهاجرين غير الشرعيين إلي مرافيء المجهول في شواطيء أوروبا.

***
الغربة في الوطن هي التي تدفع شباباً في سن الإقبال علي الحياة، إلي جمع تحويشة عمر الأسرة أو الاستدانة بعشرات الآلاف من الجنيهات، ليس من أجل إنشاء مشروع خاص علي أرض بلدهم، إنما للفرار منه، إلي بلاد أخري لا ترحب بهم ولا تريدهم، ولو كان الطريق إليها محفوفاً بمخاطر الموت المحدق.
الغربة هي مرادف اليأس وفقدان الأمل.
قد تكون مبررة إذا كان للإحباط داعٍ، ولضياع الأمل دافع من واقع.
لكن إذا كانت الصورة في البلاد مغايرة، يكون غياب الوعي بالحقائق، مسئولية الدولة برمتها، حكومة غالباً تخفي ما تعمل علي إنجازه، وإعلام غالباً ينشغل بما ليس فيه نفع.

***
أبصر الرئيس السيسي، جوهر المشكلة، وهو يتحدث للشعب أمس عن الأمل.
عن حقائق علي الأرض، لا عن أوهام في المخيلات، ولا عن سراب فوق الرمال.
كان الرئيس يوجه حديثه لمن يرومون الاغتراب خارج الوطن عبر بحار الموت، ولمن يستسلمون إلي الغربة في ذواتهم علي أرض الوطن عبر الأكاذيب والركون إلي إنكار الحقائق.
الأمل المستند إلي عمل وعرق، تسبقهما رؤية، يتلوها تخطيط، هو ما كان يتحدث عنه الرئيس، وكانت منصة الكلام أنسب ما يكون إلي فحواه.
كان الرئيس في قلب مشروع »‬بشائر الخير»، ٣٤ عمارة سكنية شاهقة، تضم ١٦٣٢ وحدة سكنية، كل منها بمساحة ٩٢ متراً مربعاً، في مجمع سكني يضم مستشفي ومحالا وسوقاً تجارية، ومركزاً للتدريب المهني للشباب، وحدائق للأطفال، ومركزاً لتأهيل ذوي الاحتياجات الإنسانية.
كل شقة منها مؤثثة مجاناً بغرف النوم والطعام والأنتريهات والأجهزة المنزلية والكهربائية.. حتي أدوات المطبخ والمفروشات.
أُعطيت مجاناً لأكثر من ١٦٠٠ أسرة، من أبناء عشوائية »‬غيط العنب» بالإسكندرية الذين كانوا يسكنون عششاً من صفيح وأخشاب وتتشارك الأسرة في غرفة واحدة، وتتشارك الأسر المختلفة في دورة مياه واحدة غير آدمية.
لم تتحمل الموازنة العامة تكلفة هذا المشروع في مرحلته الأولي إنما تحملتها ٢٣ شركة خاصة وعامة وجمعية أهلية بالإضافة إلي البنك الأهلي المصري والقوات المسلحة، في نموذج لتضافر جهود المجتمع لتحسين حياة أبنائه الأولي بالرعاية.
من وسط هذا الإنجاز، الذي أدخل البهجة إلي قلوب نحو ١٠ آلاف إنسان مصري كانوا يعيشون حيث لا معيشة.. تكلم الرئيس إلي الشعب وأطلق رسائل الأمل، والعمل الذي بدأ يزهر ويترقب موعد الحصاد.
تساءل الرئيس في بداية حديثه: هل هناك أمل في بلدنا ولاّ مفيش؟!.. وأجاب قائلا: لأ.. فيه أمل.. والأمل كبير.
للشباب المصري كله.. قال الرئيس: بلدنا محتاجة لكم.. بلدنا أولي بكم.. الأمل موجود.. والشغل أيضا موجود.
ولشباب كفر الشيخ بالأخص، الذين سقط ضحايا من أقرانهم في حادث غرق المركب أمام ساحل رشيد.. قال الرئيس: »‬في كفر الشيخ عمل كبير يتم.. خلال شهرين سنفتتح أكبر مزرعة سمكية بمصر في منطقة بركة غليون توفر نحو ٥ آلاف فرصة عمل، و٦ مصانع مرتبطة بالمزرعة في تصنيع الأسماك وتعبئتها وتغليفها وتجميدها توفر ٦٠٠ فرصة عمل. هناك أيضا المنطقة الصناعية بكفر الشيخ التي تضم ٨ مصانع جاهزة للإنتاج يستوعب كل منها قرابة ٢٠٠ عامل، وكان المفروض أن تفتتح قبل عيد الفطر، لولا إجراءات بيروقراطية، لابد من كسرها في هذا المكان وغيره لإنجاز المهام التي نريدها. وسيتم افتتاح هذه المنطقة قريبا».
عن المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر للشباب، قال الرئيس إنه كلف طارق قابيل وزير الصناعة بتسليم الشاب الأرض والمنشأة الخاصة بالمشروع وترخيصها معاً لعدم إضاعة الوقت، ولسرعة تنفيذ مبادرة تخصيص ٢٠٠ مليار جنيه قروضا ميسرة من البنوك لهذه المشروعات.. تناول الرئيس المدن الحرفية التي تقام كمدينة الجلود بالروبيكي والأثاث بدمياط، وغيرها كثير كمدينة النسيج بالمنيا.
اهتمام الرئيس بقاطني العشوائيات وتغيير حياتهم وإسكانهم في مساكن لائقة ظهر بوضوح في مشروع إنشاء ١٧٠ ألف شقة لسكان العشوائيات الخطرة، منها ٧٥ ألفا تسلم في يونيو المقبل، والباقي بعدها بعام.
حرص الرئيس علي توفير المسكن لكل من يطلب من محدودي الدخل، تجسد في مشروع إنشاء ٦٠٠ ألف وحدة سكنية لهم تسلم بعد ١٨ شهراً.
لم يغفل الرئيس أيضا الطبقة المتوسطة من المهنيين وغيرهم. وكلف وزير الإسكان بإنشاء مليون شقة يستفيد منها من يزيد دخله الشهري علي ٣ آلاف جنيه.
أما القري التي كانت نسبة من يتمتع منها بخدمة الصرف الصحي حتي تولي الرئيس المسئولية، لاتزيد علي ١٢.٥٪، فسوف يغطي الصرف ٥٠٪ منها بحلول يونيو ٢٠١٨، بجانب البرنامج الضخم لتطوير القري الأكثر احتياجا الذي ينفذه صندوق »‬تحيا مصر» بالتعاون مع القوات المسلحة والجمعيات الأهلية.
الغلاء.. هو هم كل أسرة مصرية، وهو شاغل الرئيس بوصفه مسئولاً عن كل المصريين، أمام الشعب، وأمام الله.
يعرف الرئيس أنه لا توجد آلية مستقرة لضبط الأسعار في الأسواق ومستوي جودتها. مع ذلك لا يملك ترف الانتظار والانتهاء من إصلاح الأجهزة الإدارية المعنية بضبط الأسواق.
جزء من مشكلة ارتفاع الأسعار، يراه الرئيس، في نقص المعروض من السلع، الخضر والفواكه واللحوم، في مقابل زيادة الطلب، بجانب الفاقد الكبير من المنتجات الزراعية الذي يحدث أثناء تداولها من الحقول إلي أيدي المستهلكين.
لذا وجه الرئيس بوضع برنامج كبير لزيادة حجم المعروض من هذه السلع خلال شهر أو شهرين، مما يؤدي إلي خفض أسعارها، بغض النظر عن سعر الدولار.
قال الرئيس تحديدا: هذا التزام من الحكومة تجاه الشعب.
مشروع المائة ألف صوبة زراعية.. تحدث عنه الرئيس بالتفصيل هذه المرة، قائلاً: إننا نزرع الخضر علي مساحة ٨٠٠ ألف فدان وتهلك نسبة ٣٠٪ منها أثناء التداول.
والصوبة الواحدة تعطي إنتاجية أكثر من ٥ أفدنة وقد تصل الي ١٠ أفدنة، أي أنها ستضاعف إنتاجنا من الخضر والفواكه، بعد الانتهاء منها في غضون ١٨ شهراً، فضلا عن أنها ستوفر ٤٠٠ ألف فرصة عمل مباشرة وسيتم نقل إنتاجها بوسائل النقل الحديثة.
بجانب هذا هناك مشروع مزرعة المليون رأس ماشية التي ستضرب المغالاة في أسعار اللحوم، ومعها المزارع السمكية في كفر الشيخ وبورسعيد التي ستوفر الأسماك للأسواق وأيضا للتصدير.
أما مشروع المليون ونصف المليون فدان، فسيتم الشهر المقبل طرح نصف مليون فدان منها للمواطنين والشركات.

***
عن تجارة الإحباط علي أرض مصر، قال الرئيس إن الارهاب ليس فقط برفع السلاح، وإنما ببث أباطيل هدفها زعزعة ثقة المواطن في نفسه وفي بلده، فكلما تحقق إنجاز سعي وراءه البعض بحالة إنكار له، فالغرض هو هزيمة إرادة الناس.
ومن هذا موجة التشكيك في الجيش المصري، عمود الخيمة المصرية الرئيسي.
الجيش هدف لمن يريد ضرب الدولة المصرية.. لكنه هدف عصي بذاته، محصن بقلوب المصريين.
هناك أمل.. هناك عمل.. هناك إنجاز يتحقق وآخر يتفتح.
يقول الرئيس: ليس كل ما نريده يتحقق في عامين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أعوام، المشكلات لا تحل بين يوم وليلة، ولاتُزال بغير جهد ومعاناة يسبقهما أفكار مبدعة خلاقة.
يعود الرئيس ليقول: الأمل في بلدنا كبير.. اطمئنوا.. أُمّال احنا قاعدين نعمل إيه؟!
يبقي أن يستوعب المسئولون علي كل المستويات ما قاله الرئيس، بأننا لن نتحرك إلي الأمام مالم يركز كل مسئول في عمله وينتبه إليه، وألا يستسلم لقيود البيروقراطية، بل واجبه أن يتخطاها أو يحطمها.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار