عصر السيسي

ورقة وقلم

1/20/2018 8:10:38 PM  
1413  
ياسر رزق  

ورقة وقلم

لتوي خرجت من خطاب الرئيس السيسي في ختام محفل »حكاية وطن»‬.
تتزاحم الأفكار والعبارات في رأسي بعدما استمعت وشاهدت علي مدي أيام ثلاثة من إنجاز هو أقرب للإعجاز.
معظم ما تابعته أعرفه بتفاصيله وأرقامه. لكنها المرة الأولي التي أري فيها صورة مصر الجديدة مكتملة بكل ألوان الطيف ودرجات الظلال.
إنها المرة الأولي التي اتطلع فيها إلي خريطة مصر الجديدة بكل أبعادها، بطولها وبعرضها، بعمقها في باطن الأرض، وبارتفاعها حتي حدود السماء، وببعدها الرابع وهو الزمن علي مدار ٤٣ شهراً مضت.
في الثالث من يوليو ٢٠١٣، صار السيسي بطلاً شعبياً، يتغني باسمه المصريون.
انفتح كتاب التاريخ المصري في تلك الليلة بعد طول انطواء ليضع اسم عبدالفتاح السيسي في قائمة زعماء مصر التاريخيين كعرابي ومصطفي كامل وسعد زغلول. الفرق أنه نجح فيما لم ينجح سابقوه.
في الثامن من يونيو ٢٠١٤، صار البطل الشعبي رئيساً ولعلها المرة الأولي في تاريخ مصر الحديث والقديم أيضا، التي يتحول فيها بطل إلي رئيس، وأن يأتي الشعب برجل مصري من مسكنه في القلوب إلي مقعده في سدة الحكم.
في التاسع عشر من يناير ٢٠١٨، قدم السيسي أوراق اعتماده إلي التاريخ، كرجل هذا القرن، وصانع لمجد مصر الحديثة الثالث.
في القرن التاسع عشر.. كان محمد علي.
في القرن العشرين.. كان جمال عبدالناصر.
في القرن الحادي والعشرين.. جاء عبدالفتاح السيسي.
• • •
أحب أن أتفرس في وجه السيسي وهو يتطلع أمامه ويرنو إلي بعيد.
أحب أن استمع إلي نبرات صوته الصادقة حين يتكلم والمخلصة حين يحتد.
أحب أن أنظر إلي عينيه وهو يتحدث عن أميه، أمه مصر، ووالدته الراحلة، وأجد لمعان دموع عشق وحنين.
هبة من الله أودعها في هذا الرجل. إنه قادر علي شحذ الهمم واستنهاض العزائم في لحظة تحد أو خطر، وعلي رسم بسمة الأمل وإشراقة التفاؤل في لحظة تطلع إلي المستقبل.
قادر هذا الرجل، علي أن ينتشلك من دوامة يأس إلي مرفأ اطمئنان، وأن يعيدك من سحابات أوهام، إلي أرض واقع.
ميزة السيسي أنه يسكن قلبك بوطنيته الجياشة، وإنسانيته الفياضة، وإخلاصه الغامر، وصدقه منقطع النظير، وفي نفس الوقت يقطن عقلك بعمق رؤيته، وسداد أفكاره وسلامة منطقه، وأنه ينجز قبل أن يقول، ويقول ما يستطيع أن يحقق، مهما بدا صعباً وعسيراً، وأحيانا مستحيلاً.
• • •
ملت علي زميل لي، والرئيس السيسي يجيب علي أسئلة المواطنين في ندوة »‬إسأل الرئيس»، وقلت له: تخيل حال مصر، لو كان هذا الرجل جاء بعد السادات إلي سدة الحكم، كيف وضع بلادنا الآن؟!
ثم رددت علي نفسي وقلت له: بل تخيل حال مصر، لو لم يأت هذا الرجل في عصر غمة الإخوان، ولو لم يتسلم المهمة بعد نكبة حكم المرشد؟!
.. نعم، كل شيء بأوان.
تصاريف القدر، هي التي جاءت برجل الأقدار، في هذا الأوان.
مسار حياته رسمه القدر، ولم يختطه هو ولا غيره.
تألم سنوات، حينما تغير مسار مستقبله المهني علي غير إرادته، كان يحلم أن يكون طياراً مقاتلاً، والتحق بالثانوية الجوية، لكنه أكمل دراسته في الكلية الحربية ليتخرج ضابط مشاة.
لم يكن يعلم حينما كان يتألم، أن القدر اختار له مساراً آخر، لأنه كان يعده لمصير آخر.
فلو صار طياراً مقاتلاً، ما بلغ منصب القائد العام للقوات المسلحة في تلك الفترة الحاسمة من تاريخ مصر، التي انحاز هو فيها لإرادة الشعب في ثورة الثلاثين من يونيو، وما أصبح بطلاً شعبياً، ثم رئيساً وقائداً لمصر في أصعب مراحل تاريخها.
لو صار طياراً مقاتلاً، لكان التاريخ غير التاريخ.
تصاريف القدر، هي التي أنجته من حوادث وأحداث، ومن مكائد صغار يرتدون لباس الكبار، ومن مؤامرات كبار بالاسم يرتكبون أفاعيل الصغار!
• • •
أتابع »‬حكاية وطن»، ونحن نسترجعها مع السيسي، قولاً ومشاهد وأرقاما.
حكاية أم الدنيا في ٤ سنوات أو أقل وهي في طريقها الشاق الطويل لتكون »‬قد الدنيا».
وأعود بالذاكرة إلي قرابة سبع سنوات مضت.
في أحد أيام ربيع عام ٢٠١١، التقيت اللواء أركان حرب عبدالفتاح السيسي مدير المخابرات الحربية، وكان هذا هو لقاؤنا الثاني بعد ثورة يناير.
استمعت منه إلي تشخيص دقيق تفصيلي لأمراض الوطن السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو نفس التشخيص الذي عرضه في محاور لقاءات »‬حكاية وطن» لأوضاع مصر ما بعد ثورة يناير، وبنفس العبارات تقريباً.
كان علي دراية كاملة بحقائق الأحوال بالأرقام وبالبيانات، وكان علي معرفة أدهشتني بسبل الخروج من تلك الأوضاع، وهي نفس السبل التي صارح بها الشعب علي مدي سنوات رئاسته الأولي.
يومها.. سألت اللواء السيسي: كيف تتصور رئيس مصر المقبل؟
قال لي وهو يرنو بعينيه إلي بعيد: أتمناه رجلاً مخلصاً له رؤية، مؤهلاً لقيادة بلد بوزن مصر العظيمة، وقادراً علي استنهاض همم أبنائها.
لم يكن السيسي يتحدث عن نفسه، برغم أن هذه هي صفاته. لم يكن يبحث عن حكم، ولم يكن طريقه مؤدياً إلي الحكم في ذلك التوقيت وفي ظل تلك الأوضاع عام ٢٠١١.
بل إنه قال لي: أتمني أن يكون رئيس مصر القادم، في نهاية الأربعينيات أو مطلع الخمسينيات من عمره، وحبذا لو كان أستاذا جامعياً وخبيراً اقتصادياً يتمتع باحترام وتقدير ومحبة المصريين.
خرجت من ذلك اللقاء.. وأنا أفتش في رأسي عن اسم تتطابق معه الصفات والمواصفات التي قالها السيسي، فلم أجد.
وقلت لصديق لي: هل تعرف من الذي يستحق أن يكون رئيس مصر القادم؟!.. إنه هذا الجنرال الشاب، الذي فاجأنا بشخصيته ووطنيته وبصيرته وإخلاصه ورؤيته الاستراتيجية العميقة.
وقال لي صديقي: معك حق.. ولكن كيف السبيل؟!
وكان السبيل.. من تصاريف القدر.
• • •
أعود من خواطري، إلي كلمات السيسي، وهو يسرد بيانات وأرقام ما تحقق علي أرض مصر، وهو يشرح كيف كنا وكيف أصبحنا في كل المحاور والمجالات.
لو كان كل إنجاز السيسي هو شق القناة الجديدة وأنفاقها، لكفاه إنجازاً في ٤ سنوات.
لو كان إنجازه هو تدشين وبناء 14 مدينة جديدة منها عاصمة مصر في القرن الحادي والعشرين، لكفاه.
لو كان إنجازه هو شبكة الطرق الهائلة ومحطات الكهرباء العملاقة وشبكات المياه والصرف التي دخلت المناطق المحرومة، لكفاه.
لو كان إنجازه هو بناء مليون شقة يسكن فيها 5 ملايين مصري، منها 600 ألف شقة للإسكان الاجتماعي، لكفاه.
لو كان إنجازه هو استحداث معاش تكافل وكرامة لنحو مليوني أسرة مصرية، وانتشال مليون أسرة من عشوائيات عشش الصفيح وأكشاك الإيواء علي قمم وسفوح الهضاب المتداعية، وإسكانهم في 170 ألف شقة كريمة مجهزة مجاناً بالمفروشات.. لو كان هذا كل إنجازه.. لكفاه.
لو كان إنجازه هو علاج 1.5 مليون مصري من فيروس سي ووضع خطة للقضاء نهائياً علي هذا الوباء الذي يفترس أعمار المصريين خلال 4 سنوات، لكفاه.
لو كان إنجازه هو بناء جيش قوي مهاب رادع قادر علي الدفاع عن البلاد داخل إقليم الوطن وخارجه.. لكفاه
لو كان إنجازه هو إزالة غمة الإخوان، التي كانت تخنق أنفاس مصر، وتهدد هويتها، وتفضي بمستقبلها إلي الضياع، لكفاه.
ولو كان إنجازه هو محاصرة الإرهاب ومنعه من تحقيق مراميه وأغراض محركيه، لكفاه.
كل ذلك وأكثر.. تحقق في 4 سنوات وأقل.
وأسمح لنفسي أن أقول إنه لا أحد، كان يتصور منذ 4 سنوات، أن صورة مصر ستصبح علي مشهدها الحالي في غضون 43 شهراً، حتي من بين أشد المتفائلين، إلا السيسي نفسه، الذي كان يتمني لو استطاع إنجاز ما هو أكثر.
يقول السيسي وهو محق إنه لولا شعب مصر ما حققنا كل ما تحقق.
ونقول ومعنا كل الحق إنه لولا السيسي ما استطعنا أن نبلغ كل ما أنجزناه.
• • •
لا يخادع السيسي، ولا يبيع الأوهام.
كان السيسي صادقاً حين قال: »‬لا أستطيع أن أستمر في منصبي ثانية واحدة علي غير إرادتكم».
ولقد سمعته من قبل، يقول لي إنه لن يستمر لو لم يتقبل الشعب الإجراءات الاقتصادية الاضطرارية، والضرورية لإنقاذ مستقبل البلاد.
لكني مع ذلك فوجئت، عندما سمعته أمس الأول ومعه محافظ البنك المركزي طارق عامر، يقول: إنه كان سيدعو إلي إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لو لم يتفهم الشعب تلك الإجراءات.
يعزف السيسي أيضاً عن قول معسول الكلام ودغدغة مشاعر الجماهير علي غير الحقيقة، حتي وهو يعلن ترشحه لفترة رئاسة ثانية، وسمعناه يقول بجدية: »‬هتتعبوا معايا من أجل مصر».
ضمير السيسي الوطني الذي دفعه دفعاً إلي تلبية نداء الجماهير له بالترشح للرئاسة في المرة الأولي، هو نفسه الذي قاده لأن يطلب من الشعب السماح له بالترشح لفترة رئاسة ثانية، ليكمل مسيرة بناء الدولة والوفاء بتطلعات الشعب وآماله في خضم تحديات جسام تواجه الوطن.
لا يحرص السيسي علي البقاء في منصبه إذا وجد من يملك رؤية وبرنامجا ومقدرة وإخلاصا، غير أنه يأبي علي كرامة بلاده وعزتها أن يتقلد مسئوليتها فاسد، غير أهل لحمل الأمانة، ولا يتحرج في أن يعلن موقفه أمام الشعب وعلي رؤوس الأشهاد.
يأمل السيسي، أمد الله في عمره وأيده بالتوفيق، أن ينجز في سنوات رئاسته الثمانية، ما تعجز دول ناهضة عن تحقيقه في عشرين عاماً.
لا يساورني شك، في أن السيسي هو رئيس مصر المقبل باكتساح أياً كان منافسوه، ويخالجني شعور بأن نزول الجماهير إلي لجان الانتخاب سيكون حاشداً وربما قياسياً.
وظني أن مهمة السيسي في رئاسته الجديدة بعد نيل ثقة الجماهير، ستكون تحويل مصر العظيمة إلي مصر العظمي، وبناء جيل جديد قادر علي تحمل مسئولية قيادة بلاده في مستقبل نتمناه زاهراً.
ولست أبالغ إذا قلت.. إنني أشعر بالفخر لأني أعيش في عصر السيسي.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار