نظرة إلي المشهد الانتخابي

ورقة وقلم

1/27/2018 8:51:10 PM  
1043  
ياسر رزق  

ورقة وقلم

دخولا إلي صلب الموضوع، أقول إن مشهد الانتخابات الرئاسية الراهن، ليس مما يرضي طموحات شعب مصر وتطلعاته إلي حياة ديمقراطية، أهم ركائزها هو التعددية والمنافسة السياسية.
صحيح أن هناك قطاعات جماهيرية واسعة، تعلق آمالا عريضة علي الرئيس عبدالفتاح السيسي وعلي مشروعه الوطني، وتنظر إليه كزعيم جاء في مرحلة مفصلية، أكثر مما تعتبره رئيسا انتخبته لدورة، ودعته إلي الترشح لدورة ثانية، لكن هذه الجماهير تؤمن أيضا بأن خلو الانتخابات الرئاسية من مرشحين بجانب الرئيس السيسي، إلا من مرشح ضرورة سياسية (أو أكثر) لا يأمل في الفوز، ولا يسعي إلي المنصب، وإنما ارتأي الترشح، حفاظا علي صورة العملية الانتخابية، والحيلولة دون تحول الانتخابات إلي استفتاء.. هو أمر لا يعزز بناء الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة، التي هي مبتغي المشروع الوطني المصري.
ومثلما يُحمَّل الرئيس السيسي بالمسئولية عن الميراث الثقيل الذي تسلمه، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وأمنيا، وكأنه من صنع يديه، نجد من يُحمِّل المرشح الرئاسي عبدالفتاح السيسي المسئولية عن جدب الحياة السياسية، وكان عليه أن ينقب عن منافسين، وأن ينادي علي مرشحين، وأن يتقدم عنهم بأوراق الترشح ومسوغاته.
لقد استمعنا في مؤتمر »حكاية وطن»‬ إلي الرئيس السيسي وهو يطالب الشعب بالاختيار من بين المرشحين الأفاضل داعياً الله أن يوفقهم لخدمة بلدهم. وسمعناه يقول: لو أقدر أمنع الفاسد أن يتولي أمركم، كنت منعته. وربنا يحاسبني لو أترك من أعرف أنه لص وفاسد يقترب من كرسي الحكم.
لم يكن الرئيس يقصد أنه سيمنع أحدا من الترشح، لأن هذه ليست سلطته. لكنه كان يقول إنه سيكشف الفاسد الذي يعنيه إذا ترشح، لأن هذه مسئوليته.. أمام الله وأمام الشعب.
• • •
ثمة انطباعات تُروَّج في الشارع السياسي بأن النظام استخدم كل أدواته الناعمة والخشنة، لمنع أي شخصية ذات حيثية، راغبة في الترشح من الإقدام علي خوض انتخابات الرئاسة.
وسمعنا من يقدم أسانيده علي ذلك. ويضرب الأمثلة، بتراجع المرشح الرئاسي الأسبق أحمد شفيق، والقبض علي رئيس الأركان الأسبق الفريق سامي عنان عقب إعلانه عزمه علي الترشح، وانسحاب المرشح المحتمل خالد علي، واعتزال المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي عن سباق الانتخابات الحالية، وإحجام المرشح الرئاسي الأسبق عبدالمنعم أبو الفتوح عن الفكرة التي كانت تراوده بخوض الانتخابات.
سادت تلك الانطباعات لدي قطاع من الرأي العام، لأن الحقائق سرعان ما تذوب فيها، بفعل تقليب الوقائع علي غير أوجهها، فتتغلب التصورات بفعل الإلحاح والتكرار علي الحقائق، وتتحول في الأذهان إلي مسلمات.
ودعونا ننشط الذاكرة..
• الفريق أحمد شفيق، أعلن من الإمارات عزمه الترشح، ثم جاء إلي مصر، وأعلن عن تريثه في اتخاذ القرار حتي يجري مزيدا من المشاورات مع كوادر حزبه وبعض الشخصيات العامة، وانتهي به الأمر إلي الإعلان عن قراره النهائي بعدم الترشح قائلا: إنه لن يكون الشخص الأمثل لقيادة البلاد في المرحلة المقبلة.
قيل بعدها إن شفيق تعرض لضغوط من أجهزة الدولة وربما تهديدات كيلا يترشح وأنه رضخ. وبفرض أن هناك ضغوطا، فلماذا استكان لها شفيق، ومعرفتي به تقول إنه رجل صلب لا يستكين!.. وبفرض أن هناك تهديدات، فلماذا لم يخرج إلي الرأي العام ويكشفها ويعلن استمراره في السباق؟
ظني أن هناك شخصيات مقربة من شفيق، ومتابعة بدقة لما جري ويجري علي أرض مصر، أقنعته متطوعة من نفسها بعدم الترشح، لأن فرصه في الفوز علي الرئيس السيسي تكاد تكون معدومة، لاسيما أن شخصا كشفيق قد سبق له الحصول علي ١٢ مليون صوت في انتخابات ٢٠١٢ - لا يريد خوض الانتخابات لمجرد المنافسة، وإنما تصورا لامكان الفوز بها. ويبدو أنه حينما عاد إلي مصر واستمع إلي خلصائه، أيقن أن مياها كثيرة قد جرت تحت جسور النيل، منذ ترك الوطن إلي الامارات في أعقاب وصول منافسه المرشح الإخواني إلي السلطة.
• الفريق سامي عنان، أبدي نيته في خوض انتخابات الرئاسة عام ٢٠١٢، لكن المجلس الأعلي للقوات المسلحة برئاسة المشير حسين طنطاوي اتخذ قراره بعدم السماح لأي عضو من أعضائه بالترشح لهذه الانتخابات.
وفي مطلع عام ٢٠١٤.. عبر عن رغبته في خوض انتخابات الرئاسة، وفاتحني شخصيا، كما فاتح غيري، بتلك الرغبة، وصارحته يومها بأن الحالة الشعبية لا تؤدي به إلي الوصول إلي ما يشتهي، وأن الفوز بالقطع لن يكون من نصيبه، وإنما هو محتوم للفريق أول عبدالفتاح السيسي إذا استجاب لنداء الترشح.
وبعدها بأيام.. اتصل بي نجله الدكتور سمير عنان طالبا مني الحضور إلي منزل والده، مع شخصيات أخري، لإقناعه بالتراجع عن رغبته، وأدركت أن تلك الدعوة هي مظلة أو غطاء لإعلان قرار عنان بعدم الترشح. ولبيت الدعوة، وجري اللقاء، واعتذرت عن عدم حضور المؤتمر الصحفي الذي كان مقررا أن يعلن فيه القرار.
منذ ذلك التاريخ، أي خلال السنوات الأربع الماضية، كان يمكن للفريق سامي عنان، وهو رئيس أسبق لأركان حرب القوات المسلحة، ونائب لرئيس المجلس الأعلي للقوات المسلحة في أعقاب ثورة يناير، أن يتقدم باستقالته من القوات المسلحة كضابط برتبة فريق مستدعي للخدمة، وأن يتحول إلي شخصية مدنية يحق لها الترشح وخوض الانتخابات، خاصة أن رغبته في الوصول إلي مقعد الرئيس، لم تفتر - كما هو واضح - منذ عام ٢٠١٢ وحتي الآن.
كان الفريق عنان يستطيع لو اتبع الاجراءات القانونية المتبعة داخل القوات المسلحة، والتي يعلمها بالقطع، أن يجنب نفسه الوقوف متهما أمام القضاء العسكري، لاسيما أنه من العارفين بطبيعة وتقاليد المؤسسة العريقة التي ينتمي إليها، والتي ليس في قاموسها مفردات مواءمة وخواطر، وأنه يعلم يقينا بأن سيف قوانينها بتار، لا يفرق بين المخالفين سواء كان بدرجة جندي أو يحمل أعلي رتبة، بل إنه لابد يذكر أن الفريق سعد الشاذلي وهو من أبرز أبطال حرب أكتوبر، لم تشفع له بطولته، مخالفته القانون بإفشاء أسرار عسكرية في كتاب، وقضي عقوبة السجن ٣ سنوات بعد عودته من الخارج.
• الأستاذ خالد علي المحامي والمرشح الرئاسي الأسبق والذي حصل علي ١٣٤ ألف صوت في انتخابات ٢٠١٢، لم يجبره أحد علي الإحجام عن مواصلة إجراءات الترشح، ولو شق عليه الحصول علي نصاب التأييد الشعبي اللازم للترشح، فظني أنه كان يقدر ببعض الجهد أن يحصل علي نصاب التأييد البرلماني وهو ٢٠ نائبا علي الأقل، ربما من بين نواب جبهة (٢٥/٣٠) النيابية، واعتقادي أنه خسر شخصيا بتراجعه، أكثر مما خسرت العملية الانتخابية بغيابه، خاصة أنه مازال شابا في الأربعينيات، وكانت مشاركته في الانتخابات ستضيف إلي رصيده السياسي في أي انتخابات مقبلة.
• الأستاذ حمدين صباحي.. أعلن مبكرا ومنذ أشهر عدم رغبته في خوض انتخابات الرئاسة المقبلة، بل إنه حرر توكيلا لترشيح خالد علي. لم تكن هناك عقبة أمام حمدين للترشح لو أراد، ولم يكن الأمر يشكل مفاجأة لو رغب في الترشح فهو من أشد الناقدين للنظام وللرئيس عبدالفتاح السيسي، وموقفه معلن، وسبق له أن خاض انتخابات عام ٢٠١٢ وحصل علي قرابة ٥ ملايين صوت، وقد كنت من مؤيديه، وكان قاب قوسين أو أدني من خوض الجولة الثانية، كما خاض انتخابات عام ٢٠١٤، وامتلك الجسارة السياسية علي أن يكون المنافس الوحيد أمام السيسي برغم هالة البطولة الشعبية وزخم التأييد الجماهيري الكاسح، لكنها رغبة الأستاذ حمدين ألا يخوض الانتخابات لاعتبارات يراها شخصيا.
• الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح المرشح الرئاسي الأسبق، كانت مسألة الترشح تراوده، شعرت بذلك في لقاء خاص بيننا في مكتبي منذ شهور طلب هو إتمامه لمناقشتي في مقال كتبته بعنوان »‬حديث ليس مبكرا عن انتخابات الرئاسة».
في ذلك اللقاء، قال أبو الفتوح إنه سيفكر في الترشح لو تمت عدة أمور منها تعديل بعض المواد في قانون الانتخابات الرئاسية، وعندما فاجأني بالقول إنه لم يعد عضوا في جماعة الإخوان بعدما استولي عليها القطبيون أمثال محمد بديع، رددت عليه بأنه سيجد صعوبة شديدة في إقناع الناس بأنه لا ينتمي للإخوان، لاسيما أن هناك من يعتقدون أنه يمثل جسر الإخوان للعودة إلي الحياة السياسية.
لم يتحدث أبو الفتوح بعد ذلك عن الترشح، ثم وجدناه يغرد منذ ٣ أيام داعيا إلي مقاطعة الانتخابات ترشحا وتصويتا!
• • •
والحق إنني كنت أتمني لو أعلن هؤلاء أو معظمهم، وغيرهم الترشح، وتمكنوا من تحقيق النصاب المطلوب، وخاضوا الانتخابات، لنضمن منافسة ديمقراطية حقيقية، تحفز علي إقبال الناخبين علي الصناديق، وتعزز المشاركة السياسية، وتوفر مناخا يضيف أفكارا ورؤي تسهم في دفع المشروع الوطني المصري.
كنت آمل أن يكون المشهد الانتخابي الحالي مغايرا، برغم أني - وهذا ليس سرا - من أشد أنصار الرئيس عبدالفتاح السيسي، وبرغم يقيني أنه فائز مهما تعدد المرشحون ومن الجولة الأولي ليس فقط من أجل الأسباب السالفة، ولا من أجل تقديم صورة لائقة بمصر الديمقراطية أمام العالم، وإنما للتأهب لانتخابات ٢٠٢٢، التي يبدو الطريق إليها ضبابيا، ملبدا بغيوم ليست حبلي بأمطار، تكتنفه أوهام جماعة الإخوان بالعودة إلي السلطة بالأصالة عن نفسها أو عبر وكيل، وتحوطه نزعاتها بالتسلل إلي الحياة السياسية، عن طريق صفقات متكافئة مع مرشحين، قوامها التأييد مقابل المصالحة!
المحصلة إذن، بإرادة البعض، ومخالفات البعض وحسابات البعض، وبهوجائية كتائب الدببة الإعلامية العمياء، أن خلت الساحة من منافسين، وبدا أن الدولة التي طالتها اتهامات من كل اتجاه تريد إقصاء كل المرشحين المحتملين، تبدو وعلي النقيض في وضع من يسابق الزمن للبحث عن مرشحين.
وكان أن تقدم حزب الوفد - أعرق الأحزاب المصرية - للبحث عن حل لإنقاذ شكل العملية الانتخابية أمام الخارج المتربص، وأعلن رئيسه الدكتور السيد البدوي عزمه علي الترشح، برغم أن الوفد أعلن تأييده للرئيس، وأنه شخصيا من المؤيدين، وهو أمر محمود منه، بالنظر إلي بواعثه الوطنية، برغم ما جلبه عليه من قصف إلكتروني من كتائب الإخوان ومن مجموعات السخرية من كل شيء، التي تبارت في الإساءة للرجل.
وحتي كتابة هذه السطور، تواري احتمال أن تتحول الانتخابات إلي استفتاء، مع توقع وجود مرشح أو أكثر في ساحة السباق الانتخابي مع الرئيس السيسي.
• • •
المشهد الراهن يظهر عدم وجود منافسة، برغم أن الانتخابات تنافسية، لكن هناك أمرا أساسيا ينبغي عدم إغفاله، وهو أن إقدام شخصية أو أكثر علي الترشح أمام الرئيس - ولو من أجل استيفاء الشكل - حقق هدفا جوهريا، هو حرمان جماعة الإخوان من بلوغ مراميها من العملية الانتخابية.
فبعدما لم يعد بإمكانها الاختباء في جوانح مرشح يرتضي أن يكون حصانها الطروادي، صار مبتغاها هو إخلاء الساحة تماما من أي مرشحين، لتبدو الانتخابات وكأنها استعراض الرجل الواحد الذي لا يريد أحدا في مواجهته حتي ولو كان لا يشكل عليه أي خطر، حتي تتمكن من الترويج عالميا لمظهرية الانتخابات وغيبة الديمقراطية، والدعوة محليا لمقاطعة التصويت بدعوي أن النتيجة معروفة والنزول لا جدوي منه.
وحينما عجزت عن ذلك أصيبت الفضائيات الإخوانية وأبواق الجماعة علي الفضاء الإلكتروني بحالة سعار تحريضي للجماهير علي الإحجام عن الإقبال علي اللجان، وأظن مسعاهم سوف يخيب بفضل الوعي الجماهيري.
يبقي أن أقول إن استنقاذ الحياة السياسية من حالة الجدب والبوار، لا يقل أهمية بأي حال عن عملية إنقاذ الدولة المصرية من التفكك والانهيار، وفي هذا يطول الحديث.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار