القلق علي مستقبل الحكم.. والخطر علي ثورة يونيو

ورقة وقلم

5/12/2018 7:36:50 PM  
7054  
ياسر رزق  

ورقة وقلم

ثمة شعور بالقلق لا ينبغي إنكاره، علي مستقبل الحكم في البلاد، رغم أن الرئيس عبدالفتاح السيسي لم يؤد بعد اليمين الدستورية لفترة الرئاسة الثانية، المقرر أن تبدأ مطلع الشهر المقبل.
وثمة إحساس بالخطر لا يتعين مداراته، إزاء ثورة يونيو ومكتسباتها، برغم أنها لم تكمل بعد سنواتها الخمس الأولي، التي تحل ذكراها في نهاية الشهر القادم.
القلق مشروع.. والخطر موجود!
• • •
مبعث القلق، هو عدم ظهور قوي سياسية أو كتل حزبية، قادرة علي إنتاج شخصيات مؤهلة لتحمل المسئولية الأولي وتبعاتها، يلتف حولها الشعب، وتؤيدها المؤسسة النواة ومؤسسات الدولة الدستورية.
فأنت تستطيع في عام واحد شق قناة السويس. وفي ٤ أعوام إنشاء مليون وحدة سكنية. وفي ٨ أعوام بناء عاصمة و١٤ مدينة جديدة.
لكنك لا تستطيع بقرار، بناء كادر سياسي. ولا تستطيع بتوجيهات، اختصار زمن إنضاج حياة سياسية. ولا تستطيع بالحدس، أن تفرز شخصيات قيادية، بدون محك وطني أو اختبار سياسي أو مسئولية تنفيذية.
مصدر القلق أن ثلاث سنوات من الآن، مدة غير كافية، لظهور وجوه سياسية صاحبة رؤية وكفاية، وذات أعمار لم تبارح سن الشباب، قادرة علي النهوض بمهام رئيس دولة بوزن مصر ومكانتها.
ومن ثم تبدو الساحة السياسية في المستقبل المنظور، قاحلة جدباء، في وقت يحدد الدستور سنوات مدة الرئاسة بأربع سنوات، ويحظر علي الرئيس أن ينتخب لأكثر من مدتين، بل يمنعه من أن يترشح فيما بعد، حتي لو خلفه في منصبه رئيس آخر لمدة واحدة أو مدتين متتاليتين. أي أن سيناريو »بوتين - ميدفيديف»‬ غير قابل للتكرار في مصر، وفق مواد دستور ٢٠١٤ الذي نقول بحسن نية إنه صيغ بنوايا حسنة!
وفي شأن الدستور ومواده، رؤي ومقترحات تتناول أكثر من باب من أبوابه، ينبغي من الآن أن تكون محل حوار سياسي في الإعلام، ونقاش جاد تحت قبة البرلمان، دون تأجيل أو تباطؤ.
• • •
أما منبع الخطر علي ثورة يونيو ومكتسباتها فيكمن في فريقين:
- الأول يظن الوقت حان للعودة إلي نظام ما قبل ٢٥ يناير بجموده وعقم رؤاه وفساده.
- والثاني يتوهم أن بمقدوره الالتفاف علي ثورة ٣٠ يونيو والانقضاض علي مكتسباتها، توطئة للوثوب علي السلطة تحت ستر المصالحة، إما علي مراحل، أو مرة واحدة بحلول عام ٢٠٢٢.
الخطر يكمن في رجال مبارك الابن الذين يعاد تقديمهم إعلامياً وسياسياً بعد غسل وجوههم وأياديهم مما ألحقوه بالشعب وبالبلاد.
ويكمن أيضاً في أتباع جماعة الإخوان ممن يوصفون بأن أياديهم لم تتطلخ بالدماء، بينما هم مفارز الجماعة في التغلغل من جديد بمفاصل الدولة والتوغل في مؤسساتها.
ولعلنا لا ننسي صفقة الفريقين في عام ٢٠٠٥ والتي أسفرت عن منح الإخوان ٨٨ مقعداً بمجلس الشعب في مقابل تأييد ملف التوريث، ولعلنا لا ننسي أيضاً أنه عندما طمع الإخوان في المزيد وتصور جناح أمانة السياسات أن بإمكانه الاستحواذ علي مقاعد مجلس ٢٠١٠ »‬خالصة نقية» من المعارضة وأعضاء الجماعة، كان ذلك القشة التي قصمت ظهر نظام مبارك في ٢٥ يناير وما بعدها.
وما يدرينا، لعل هناك من يهندس صفقة أخري لعام ٢٠٢٢، تبدأ من الانتخابات العمالية، ثم المحلية، ثم البرلمانية، وصولا إلي الرئاسية المقبلة، قوامها الحكومة والبرلمان للإخوان، والرئاسة لجمال مبارك.
• • •
ولست أري في ترافق الترويج لحادث صورة العزاء مع رواج حديث المصالحة بين النظام والجماعة، مجرد مصادفة بريئة.
فقد جري استثمار الصورة التي يصافح فيها المشير حسين طنطاوي، جمال مبارك وشقيقه علاء، علي غير حقيقة مشهدها، وتم استغلالها بالمواقع الإخوانية وحسابات التواصل الاجتماعي ذات الهوي المباركي لتبدو وكأنها تعبر عن اعتذار المشير طنطاوي لجمال مبارك عما لحق به وبأبيه بعد ثورة ٢٥ يناير أثناء إدارة المجلس العسكري للبلاد، وهو بالطبع أمر يثير السخرية من كذبه المفضوح.
وفي الوقت ذاته.. راج حديث المصالحة علي مستويات متعددة بعضها محسوب مباشرة علي جماعة الإخوان، دون أن نسمع رداً رسمياً قاطعاً، ينفي أي حوار ويستبعد أي مصالحة. ولعل تلك الأحاديث لن تنقطع، بل ستتجدد وتنشط كل حين، لاسيما وقد تأخر صدور أحكام نهائية وباتة علي عديد من قيادات الجماعة، ربما يصل بعضها إلي الإعدام، مما يثير الشكوك لدي الرأي العام، ويجدد آمال كوادر الجماعة في إمكان تمرير فكرة المصالحة كبساط يسيرون عليه نحو أوهام العودة للسلطة.
وقد يقول قائل إن جمال مبارك كوالده وشقيقه محكوم عليهم بحكم بات ونهائي بالسجن في قضية القصور الرئاسية، وأنه لا يمكنه الترشح لأي منصب أو مزاولة الحياة السياسية إلا بعد حصوله علي حكم يرد له اعتباره.
لكن الذاكرة تعي أنه عندما أُريد لخيرت الشاطر أن يرد له اعتباره قبيل إغلاق باب الترشح لانتخابات ٢٠١٢، فتحت أبواب المحكمة في يوم الجمعة وصدر له الحكم التفصيل. ففي بعض الأحيان تكون البلد بلدهم والدفاتر دفاترهم!
• • •
علي أن الخطر الأكبر يأتي من جانب أولئك الذين يقللون بسوء تقديرهم من شأن الخصوم ويزيدون بغرورهم من شأن قدراتهم، فيقتادون الشعب إلي مزالق ومهالك، علي نحو ما رأينا قبيل ثورة ٢٥ يناير وما شاهدناه قبيل اقتناص الإخوان للسلطة في البرلمان والحكم في الاتحادية.
الخطر الأكبر مصدره نخبة سياسية لها ذاكرة السمك، وصفوة مثقفة تدور بحركة التاريخ مثلما تدور السائمة بالسواقي، ونخبة إعلامية تفكر بألسنتها وتتكلم بأعصابها.
أولئك هم الذين يحيلون السراب إلي حقيقة والوهم إلي واقع.
ولابد أن يكون واضحاً للجميع وذائعاً بين الكافة، بأنه لا يوجد من نتصالح معهم، ولا يوجد ما نتصالح عليه.
لابد أيضا من سن تشريع يعاقب كل من دعا إلي المصالحة أو حبذها مع جماعة الإخوان الإرهابية بنفس العقوبة المقررة لمن يثبت انتماؤه للجماعة.
لابد أن يعي الجميع أن الحزب الوطني في عنفوانه مع أمانة سياساته، لم يستطع أن يجمع أكثر من ٥٪ في أي انتخابات جرت في عهده، ومن ثم لا فضل لبقايا بقاياه في حشد الجماهير ونزولها إلي اللجان في أي انتخابات أعقبت ثورة ٣٠ يونيو. بل في الانتخابات الرئاسة الأخيرة تحديداً، لا يستطيع أحد سواء من الكتل البرلمانية أو من رءوس العائلات أو عواقل القبائل الادعاء بأنهم وراء نزول الجماهير بكثافة للتصويت في الانتخابات، فشخص الرئيس السيسي وما يمثله للناخبين من إنجاز وأمل كان هو الدافع لاحتشاد المواطنين أمام اللجان بهذه الأعداد الهائلة.
ولعلي أظن أن الأستاذ جمال مبارك بحاجة إلي من يهمس في أذنه، ناصحاً إياه بأن يُقَبِّل كفيه حمداً وشكراً علي أنه لم يُحاكم سياسياً علي ما أفسده في البلاد، وعلي محاولته قلب النظام الجمهوري، وأن يقر في بيته ولا يتبرج إعلامياً تبرج جاهلية عهد أبيه.
• • •
أحسب رد الفعل الشعبي علي حديث المصالحة ومن يرددونه إما بغفلة أو سوء طوية، فيه القول الفصل لهذه الدعوة التي يراد بها إطلاق ثورة مضادة علي ثورة ٣٠ يونيو ونظامها.
وأحسب الصدي الجماهيري الواسع لصورة العزاء بين المشير طنطاوي وجمال مبارك، فيه الرد المناسب علي عهد التوريث، فالناس لم تنس موقف الرجل الوطني طنطاوي من رجال جمال مبارك في حكومة نظيف، عندما قال لهم: أنتم تريدون بيع البلد والمؤسسة العسكرية لن تسمح بذلك.
أما القلق علي مستقبل الحكم بعد انتهاء مدة الرئاسة الثانية، فيقيني أن هذا الشعور يلازم الرئيس السيسي بقدر ما ينتاب الرأي العام وربما أكثر.
وليس سرا أنني عندما سألت الرئيس عن ذلك الشعور، قال: إن القلق يساورني من الآن، فلا أحد يضمن عمره دقيقة واحدة، والأعمار بيد الله. وسمعت الرئيس يتحدث عن أن أحد أهم أولوياته في رئاسته الجديدة هو تأهيل وانتقاء عدد من الشخصيات ذات الكفاءة والمقدرة لخوض الانتخابات المقبلة.
ويظل البرلمان ونوابه طرفا أساسيا في مسألة الدستور، فلا أحد يريد دسترة الحكم المطلق، وفي نفس الوقت لا أحد يقبل أن تكون مواده مقصلة للإرادة الشعبية.
ويبقي وعي الشعب الدرع الصلب الذي تتحطم عليه أخطار الثورة المضادة، ومحاولات الانقضاض علي مكتسبات ثورة ٣٠ يونيو وبث الأكاذيب والادعاءات حول نظامها الوطني.
ومن وراء الشعب، يقف الجيش يقظا، حاميا لثورة ٣٠ يونيو ومدافعا عن إرادة الشعب في مواجهة مساعي الردة الي ماضي الفساد أو ماضي الإقصاء والاستحواذ.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار