إشارات السيسي الحمراء!

ورقة وقلم

11/5/2018 7:50:53 PM  
679  
ياسر رزق  

ورقة وقلم

هكذا تكلم الرئيس مع شباب العالم في يوم الإثنين الطويل

سمعت الرئيس السيسي أمس الأول من الصباح إلي المساء.
يبدو الرئيس يشْتمُّ رائحة دخان، آتية من حيث لا حريق. يبدو أنه يري ما لا يلوح لنا بعد.
النيران لم تنشب، لكن الرئيس يطلق إشارات تحذير حمراء، ينبه من خطر مقبل، بل مخاطر محدقة، ما لم يتحسب أبناء المنطقة العربية، فهناك من خارجها من ينظر إلي ما نالها من خراب، غير كاف، ولا يحقق له ما يروم؟
أحب أن أنصت إلي السيسي حينما يتكلم وهو يستشرف المستقبل.
هكذا كان وهو مدير للمخابرات الحربية، ثم وهو قائد عام للقوات المسلحة، ثم وهو مرشح لرئاسة الجمهورية، ثم بعد أن صار رئيساً للجمهورية وقائداً للبلاد.
أحياناً أتمني ألا تتحقق رؤيته، برغم أن تلك الأمنية هي من قبيل دفن رأس تحت رمال، ثم أحادث نفسي وأحاورها كيف نتقي ما يحذر منه، قبل أن يمسك الشرر بالحطب ويشتعل الحريق، وتتصاعد الأدخنة تخنق الأنفس، وتمتد النيران تحيل كل شيء إلي خراب.
الخراب هو ما يحذر منه السيسي، في وقت نحلم نحن وغيرنا باستقرار حادث وتنمية تزهر.
• • •
ألمح علامات دهشة علي وجوه شباب أجانب حاضرين ومشاركين في منتدي الشباب العالمي بشرم الشيخ، وهم يستمعون إلي مداخلات الرئيس السيسي، وأري نظرات استغراب في عيون ستيفان دي ميستورا المبعوث الدولي للأزمة السورية، وغسان سلامة المبعوث الدولي للأزمة الليبية، وهما يتابعان حديث الرئيس في جلسة أمس الأول العامة الثالثة حول آليات بناء المجتمعات والدول في مرحلة ما بعد الحروب والنزاعات.
من عنوان الجلسة، ندرك أن الحديث عن المستقبل، وكأن الحروب انتهت والنزاعات زالت والبناء قريب.
ومن كلام الرئيس نستشعر فرار أسراب طيور في سماء المنطقة، دائما ما يسبق كوارث أقدار.
مبعث الدهشة هنا والاستغراب هناك، أن السيسي رئيس دولة ودولة كبيرة، وقادة الدول عادة نراهم يغلفون عباراتهم بدبلوماسية وانتقاء عبارات وأحيانا مواقف.
السيسي رجل صادق، يتحدث بانطلاق وبلا حرج، رجل مباشر في مقصد كلامه ومبتغي أفعاله، لا يعرف مسارات ملتوية.
يمقت الكذب والكذابين، يراه ضعفاً، ويراهم بؤساء. هو لا يحب ضعف الأنفس ولا بؤس المواقف.
يتأمل السيسي ما جري خلال ٤٠ عاماً مضت من أفغانستان إلي ليبيا ومن العراق إلي سوريا إلي اليمن وعبوراً للبحر إلي الصومال، ثم يتكلم.
خراب يعشش في طرقات بلاد كانت تعبق بعطر النماء والعمران.
أنقاض دول تداعت دعائمها وانهارت مؤسساتها، ولم تعد إلي حيث كانت، فالذي راح يصعب - وقد يستحيل - أن يرجع.
• • •
في حديث المساء المفتوح مع شباب العالم ليل الإثنين.. تحدث السيسي بقلب مفتوح وعقل قلق.. وباح بالذي يضنيه.
شاب من العراق سأله: ما الوسيلة السلمية لتغيير الحكومة، غير الانتخابات؟
كان مقصد السؤال واضحاً، ورد الرئيس سائلا الشاب واسمه عبدالله عن عمره، فقال له: ٢٤ عاماً. فعقب الرئيس قائلا: إذن أنت لم تر العراق. أنا رأيته في عنفوانه، دولة يشار لها بالبنان، دولة قادرة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. لكن هناك من اقتادها واصطدم بها بالجدار.
شاب آخر من لبنان قال للرئيس: لا نعرف قدساً شرقية وأخري غربية، فالقدس واحدة كعاصمة لفلسطين.
رد عليه الرئيس منبها إلي أن الشعارات التي تخاصم الواقع هي السبب فيما جري لنا وضياع فرص كانت سانحة. ثم ابتسم وقال للشاب: »طيب بس خد القدس الشرقية!»‬.
جوهر كلام الرئيس منذ صباح الإثنين وحتي ساعات الليل كان يدور حول محور إجابتيه علي الشابين، وهو التحذير من رغبة في التغيير من ورائها خراب محدق وحريق يشتعل، والتنبيه من انسياق وراء مواقف مبنية علي غير قدرة وشعارات صادرة عن حناجر لا قلوب.
• • •
ليس صحيحاً أن الرئيس السيسي كان ضد التغيير أو هو ضد التغيير، سيما إذا كان يستهدف الأفضل ويصل إليه.
رأيي الشخصي المتواضع أن أفضل ما في ثورة ٢٥ يناير ـ علي سبيل المثال ـ أنها فتحت الطريق لنعرف رجلاً هو عبدالفتاح السيسي.
يحذر السيسي من التحرك غير المدروس، والنزول إلي الشارع في دول بمنطقتنا العربية من جديد أو لأول مرة، بغرض تغيير غير محسوب تكلفته وبغرض مطالب غير معروف أبعادها.
ويقارن بين التكلفة التي دفعتها شعوب في دول عربية من مالها واستقرارها بل وبقائها، وبين التكلفة التي كانت ستدفعها لو استمر الأمر دون تغيير حتي زال بفعل الزمن وعوامل التعرية السياسية.
ويقول إن الأولي أكبر بكثير من الثانية، وبكل وسائل الحساب، ويؤكد في نفس الوقت أن ذلك ليس معناه هو الركون إلي السكوت، وقبول الواقع المهين، ورفض التغيير، إنما القصد هو اللجوء إلي العقل الجمعي الذي يرشد التحرك إلي حيث مبتغاه.
لا يستخدم السيسي تعبير »‬مؤامرة»، في تفسير ما جري للإقليم العربي منذ مطلع ٢٠١١ تحديداً، ويستبعد هذه الكلمة كوسيلة لإقناع شريحة ليست صغيرة من المستمعين المنصتين.
بكل وضوح وصفاء رؤية وحدة بصر وسداد بصيرة، يقول السيسي: إن قوة الشباب واندفاع تحركه قد يخرجان عن السيطرة، وينشئان فراغاً هائلا يؤدي إلي تدافع قوي خارجية للتدخل في شئون الدولة، وتتحرك في قلب الفراغ وسعياً لملئه، قوي داخل المجتمع تتصور أن لها الأولوية أو الأسبقية في الحكم، بل لها الحق المقدس في السلطة والتسلط، ويكون الشعار: إما نحكمكم أو نقتلكم، هذا الفراغ في مجتمعاتنا العربية تسعي جماعات الإسلام السياسي لملئه وقيادة الدولة في إطار فكرة مقدسة، كدولة دينية، ويحدث التدمير الذاتي للدولة ونتائجه هي خراب كارثي، لا أتصور أن تؤدي إليه حرب نظامية تقليدية.
• • •
»‬الانتحار» هو أداة الفرد اليائس للتخلص من حياته والذهاب إلي مصير خلود في المجهول. و»‬الانتحار القومي» هو أداة مجتمعات وشعوب للخلاص من أحوالها ولو فوق جثة الأمة أو الدولة وعلي أنقاض ركائزها ومؤسساتها، دون إدراك لأن الخاتمة هي تشرذم الشعب وسقوط الدولة.
يحذر السيسي مجدداً من »‬الانتحار القومي»، كما سبق له أن حذر مجتمعاتنا العربية قبل عامين من نفس الخطر.
يقول السيسي: إن الدولة إذا راحت، لن تعود، علي الأقل كما كانت. يوضح أن سوريا تحتاج ٣٠٠ مليار دولار علي الأقل لإعادة الإعمار، وقد تصل التكلفة إلي ألف مليار دولار، ويؤكد أن أحداً لن يدفعنا في عالمنا هذا الذي يتصارع ويتنصل من سداد بضع آحاد من المليارات.
عيون السيسي وهو يحذر الشباب وأبناء دولنا العربية من جنوح الرغبة في التغيير، واتجاهها نحو تحرك غير مدروس ونزول غير مدرك لخاتمة، كانت تتجه شرقاً.
إجابة الرئيس علي سؤال شاب من بلغاريا اسمه قسطنطين يستفسر عن أسباب دعم مصر للسعودية، كانت تفصح عن سبب تحذيراته وسر رائحة الدخان التي يشتمها في أجواء المنطقة، حيث لا نري حريقاً ولا نشاهد نيراناً.
قال الرئيس وهو يخاطب آخرين من دون الشاب الله يعلمهم: أليس يكفيكم عدم الاستقرار الذي حاق بالمنطقة؟!.. ألا تشعرون بالقلق إزاء امتداد الاضطراب الحاصل في أفغانستان وسوريا وليبيا والصومال واليمن، إلي دول أخري.
علينا أن نضع نصب أعيننا إيجاد حد أدني من الاستقرار في المنطقة.
وبقليل من الانفعال.. قال الرئيس: إنني أريد أن أحافظ علي السعودية والإمارات والكويت والبحرين، وأيضا علي قطر.
ولم يشأ الرئيس أن يقول: وأيضا قطر، برغم كل شيء حدث ويحدث من حكامها، فالغرض المصري هو بقاء الدولة وصون حياة الشعب القطري.
ثم يضيف الرئيس: إنني أريد أن أحافظ علي المنطقة، فهي لا تتحمل أكثر مما حدث لها ولشعوبها.
• • •
لماذا مصر؟!
بعبارة أخري.. كيف نجت مصر من مصير محتوم كان يراد لها، ولا أقول يدبر لها، ولماذا هي الناجية من أخدود الحريق الذي سقطت فيه دول المنطقة، ولماذا كانت النار برداً وسلاماً علي شعبها؟!
يجيب الرئيس السيسي قائلا: هناك سببان.. أولهما قدري هو إرادة الله، الذي شاء أن ينجي مصر من ذلك المصير، وثانيهما هو الجيش المصري القوي، بل القوي جداً، وقوته ليس مبعثها قدرته العسكرية وحدها، بل قدرته الوطنية، فهو جيش غير مسيس وغير طائفي ولا مذهبي وغير عرقي، إنما هو جيش وطني يستظل برايته المسيحي والمسلم، ويموت الاثنان من أجل مصر.. إنه جيش قوي جداً حمي الشعب وأنقذ الدولة.
ثالث السببين، هو وعي الشعب المصري، الذي يري الرئيس أنه سرعان ما تنبه واستوعب ما جري في أعقاب ٢٥ يناير، بدليل أنه لم يتحرك بعد إجراءات الإصلاح القاسية في نوفمبر ٢٠١٦، بل أدرك أسباب ما حدث، وأخذ العبرة وتحمل وصبر ومازال يتحمل.
• • •
مجدداً يحذر الرئيس من اقتياد ما تبقي من دولنا إلي هاوية الخراب.
يقول إن مصر تستهلك في كل شهر ما يعادل ٣٫٥ مليار دولار للوقود، فمن أين يعيش الناس إذن لو تغيرت الأحوال؟
ويشير الرئيس في أكثر من مناسبة إلي مشكلة اللاجئين الذين يفرون من بلدانهم في قوارب الموت، وإذا لم تبتلعهم مياه البحر، فهم يعانون في معسكرات اللاجئين بدول المفر.
ثم يقول: ماذا سيكون عليه حال طفل أو طفلة يعيش في معسكرات اللاجئين ٨ أو ٩ أو ١٠ سنوات، ماذا ستكون عليه شخصيته وقيمه وأخلاقه؟ إننا نحتاج إلي برامج إعمار نفسي وإنساني شديدة الضخامة لهؤلاء الأطفال في تلك المعسكرات، التي يتهددها مصير التحول إلي مراكز تفريخ للإرهاب.
ويشدد الرئيس أمام شباب العالم علي الدعوة التي سبق له أن أطلقها، وها هو يجددها، بأن الحفاظ علي الدول حق من حقوق الإنسان.
• • •
الحلم.. لعلها الكلمة الأكثر تداولا في مداخلات السيسي أثناء يوم الإثنين الطويل المفعم بالصراحة والعامر برؤي بصيرة بعيدة المجال.
يدعو السيسي الشباب من مختلف دول العالم، بالأخص من أفريقيا التي تحمل مسئوليتها قبل أن يحين الأوان، إلي عدم فقدان القدرة إلي الحلم.
سئل السيسي علي حلمه لمصر وعن أمله الشخصي.. كانت إجابته تقريبا واحدة.
يحلم الرئيس بتغيير واقع مصر العسير وأحوال شعبها الصعبة، ويعمل من أجل تحقيق هذا التغيير بالعمل والصبر والإنتاج.
خلال ١٨ شهراً، يأمل السيسي في الانتهاء من كل مشروعات البنية الأساسية وتسليمها، يأمل أيضا في الانتهاء من مشروعات أخري يجري تنفيذها للوفاء باحتياجات الشعب وتوفير فرص عمل لما بين ٨٠٠ ألف ومليون شاب وشابة يدخلون إلي سوق العمل في كل عام.
ينام السيسي ويستيقظ علي اسم مصر، من قبل أن يصبح رئيساً بسنوات طويلة.
ومازال مثلما عرفته من اليوم الأول، مهموماً ببلاده، ينظر إلي حيث ننظر لكنه يري ما لا نري.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار