الخطر الكامن في كل بيت!

ورقـــة وقــلــم

11/24/2018 7:02:28 PM  
538  
يـــــــاســـــــر رزق  

ورقـــة وقــلــم

ربما لا نجد بين شعوب الأرض من تغمره السعادة، كلما سمع بارتفاع عدد سكان بلاده، أكثر من الشعب المصري!
زيادة عدد السكان في موروثنا الاجتماعي مصدر للاعتزاز والفخر، تماماً مثل كثرة الإنجاب في الأسرة، ينظر إليها علي أنها »عزوة»‬ أو »‬سند»، ودافع للمباهاة.
ترتيبنا بين الدول من حيث عدد السكان هو الثالث عشر.
هذه المنزلة هي الأرفع التي تحتلها مصر في أي تصنيف للأمم.
بينما نحن- علي سبيل المثال- في المرتبة ١٢٤ بين دول العالم من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي.
هناك ارتباط بين المسألتين.
فكلما ارتفع معدل الزيادة السكانية، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي، والعكس صحيح.
أي أن معدل النمو الاقتصادي يتآكل بزيادة معدل النمو السكاني، ومن ثم لا يشعر الشعب بمردود التنمية، حتي لو كانت معدلاتها تزداد بنسب معقولة.
• • •
في الحالة المصرية.. زادت وتيرة ارتفاع معدل النمو الاقتصادي في السنة المالية الماضية »‬٢٠١٧/٢٠١٨» ليبلغ ٥٫٣٪، بينما معدل النمو السكاني بلغ ١٫٩٪ خلال نفس الفترة، وفقا لتقديرات البنك الدولي.
ذلك يعني أن معدل النمو الحقيقي لا يزيد علي ٣٫٤٪، رغم كل الجهود المضنية المبذولة في حركة البناء والعمران.
صحيح أن نسبة الزيادة السكانية »‬الفرق بين المواليد والوفيات» شهدت انخفاضا خلال الفترة الأخيرة، بالنظر إلي أن متوسطها كان يبلغ ٢٫٥٦٪ في غضون الفترة من ٢٠٠٦ إلي ٢٠١٧ طبقا لإحصاءات التعداد السكاني الأخير. لكن مازال معدل النمو السكاني (١٫٩٪) مرتفعا للغاية بالقياس لدول العالم المتقدم (الولايات المتحدة ٠٫٧٪ - الصين ٠٫٦٪- بريطانيا ٠٫٦٪- ألمانيا ٠٫٤٪).
بل إن المعدل المصري أعلي بكثير من دول مقاربة لأحوالنا الاقتصادية والاجتماعية (تركيا ١٫٥٪- إيران ١٫١٪- المغرب ١٫٣٪- اندونيسيا ١٫١٪).
بنهاية هذا العام سيكون عدد سكان مصر في حدود ٩٧ مليون نسمة، وسيزيد اجمالي عدد المصريين في الداخل والخارج علي ١٠٥ ملايين نسمة.
تعدادنا يزيد نحو مليوني نسمة سنويا، أي أننا نزيد بما يوازي عدد سكان سنغافورة كل ١٨ شهرا.
لو استمرت الزيادة بهذه المعدلات، سيقفز تعدادنا إلي ٣٣٩ مليون نسمة بحلول عام ٢١٠٠، أي ما يزيد علي ٣ أمثال التعداد الحالي.
• • •
بوضوح أكثر..
معدل الانجاب في مصر ٣٫٥ طفل لكل أسرة.
إذا استمر هذا المعدل سيصل عدد السكان إلي ١٢٨ مليونا بحلول عام ٢٠٣٠.
لو زاد المعدل إلي ٤ أطفال للأسرة، سيقفز التعداد إلي ١٤٠ مليونا، أي أن الفرق بالزيادة (٢٢ مليونا) يعادل تعداد السويد والنرويج والدنمارك معاً!
بينما لو انخفض معدل الانجاب إلي ٢٫٤ طفل لكل أسرة، سيبلغ عدد سكان الداخل ١١٢ مليون نسمة.
إذن خفض معدل الإنجاب الحالي (٣٫٥ طفل للأسرة) والالتزام بمعدل انجاب معقول (٢٫٤ طفل) من الآن وحتي عام ٢٠٣٠، سيؤدي إلي انخفاض في تعداد السكان المتوقع بنحو ١٦ مليون نسمة، وهو ما يعادل سكان هولندا التي تؤكل العالم من أصناف جبنها وزبدها، وتعطره  بزهور التوليب وتمتعه بأداء منتخبها البرتقالي!
• • •
عندنا من يري الانجاب، مسألة شخصية تتعلق بالزوجين أو الأسرة، ولا شأن لأحد بها.
وعندنا من يظن أنه مادام مقتدرا وقادرا علي الانفاق، فلينجب ما يشاء ولو دستة أطفال.
وهناك من يحتج بالحديث الشريف القائل: »‬تناكحوا.. تناسلوا.. أباهي بكم يوم القيامة».
الثلاثة ليسوا علي حق في شئ.
فتنظيم الأسرة، شأن من شئون الدولة لا أن تتخذ فيه ما تراه من تدابير تحقق صالح المجتمع وتتلافي ما يضير جموع الناس.
أما المقتدر، فليس له أن ينجب كيفما يريد، ذلك أن كل مولود ينجبه، يلقي بأعباء علي المجتمع يتحملها ويسدد نفقاتها، سواء في المرافق أو الخدمات من طرق ومياه شرب وصرف صحي ومستشفيات وإسكان وأوجه دعم وغير ذلك.
وليس ثمة شك في أن الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام- لا يقصد المباهاة بكثرة من الناس كغثاء السيل، يغلب عليها الجهلاء والمرضي والضعفاء.
علي أن التأثير الحقيقي علي الاقتصاد من جراء الزيادة السكانية (الفرق بين معدل المواليد ومعدل الوفيات)، يتضح أكثر إذا نظرنا لمعدل المواليد.
وفي مصر.. يبلغ معدل النمو السكاني كما ذكرنا ١٫٩٪، بينما معدل المواليد يبلغ ٢٫٣٥٪.
وبالتأكيد فإن احتساب الأعباء المترتبة علي الزيادة السكانية، لابد وأن يتأسس علي القادمين الجدد من المواليد.
فهم الذين سوف تجهز من أجلهم الأمصال وألبان الأطفال وتُعد لهم فصول المدارس وأسرة المستشفيات، وتُزاد طاقات شبكات المياه والصرف والكهرباء، وصولاً إلي توفير فرص العمل بعد تخرجهم من التعليم.
وإذا كنا اليوم نتحدث عن توفير فرص تشغيل لنحو مليون شاب سنوياً يدخلون إلي سوق العمل في كل عام، ويكلفون الدولة قرابة ١٠٠ مليار جنيه لتتاح لهم فرص العمل والرزق، فما بالنا عندما يكون المطلوب خلال سنوات قليلة قادمة هو توفير مليوني فرصة عمل سنويا للقادمين الجدد من الخريجين، وكيف يمكن توفير المبالغ المطلوبة لتوفير هذه الفرص في الصناعة والزراعة والخدمات؟!
ناهيك عن التكلفة الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الأعباء الضرورية المطلوبة لكل مولود، بدءا من علبة لبن الأطفال المدعمة وهو رضيع، وحتي شقة الإسكان الاجتماعي المدعمة عندما يشرع في الزواج وهو شاب!
• • •
بُح صوت الرئيس السيسي، وهو يتحدث عن الزيادة السكانية ومخاطرها علي التنمية وعمليتها الجارية، وعلي مستقبل الوطن، والأجيال القادمة، دون أن نلمس صدي حقيقياً وعملاً ملموسا يجابه تلك المخاطر.
والحقيقة أن الرئيس السيسي ليس أول حاكم لمصر يتحدث عن زيادة معدل الإنجاب.. فقد سبقه كل حاكم تولي المسئولية، منذ عهد  جمال عبدالناصر الذي تحدث عن تحديد النسل، ثم عّدل المصطلح إلي تنظيم الأسرة، استجابة لعلماء الدين، وانشأ المجلس الأعلي لتنظيم الأسرة عام ١٩٦٦.
ومنذ ذلك التاريخ.. جرت محاولات معظمها كان مصيره الفشل، وبعضها أحرز قدرا من النجاح، بالذات في عهد المجلس القومي للسكان برئاسة د.ماهر مهران، ثم حدثت الانتكاسة، فيما بعد ثورة ٢٥ يناير وما صاحبها من تأثيرات اجتماعية.
وقبل أيام.. سمعت الدكتور مصطفي مدبولي رئيس مجلس الوزراء يتحدث عن ان معاش تكافل وكرامة لن يغطي أكثر من طفلين للأسرة الواحدة بدلا من ثلاثة أطفال ابتداء من يناير المقبل، من أجل استخدام الحصيلة المتوفرة في مد مظلة المعاش إلي أسر جديدة فقيرة ومحتاجة للدعم.
وأظن أن قرار رئيس الوزراء هو خطوة أولي في سياق منظومة متكاملة مدروسة للتحفيز علي الأخذ بنموذج الأسرة الصغيرة.
ونحن من جانبنا في دار »‬أخبار اليوم»، سوف نعقد مؤتمرا خاصا بالزيادة السكانية وتنظيم الأسرة، بجمع المسئولين والخبراء وعلماء الدين والمتخصصيين في مختلف المجالات ذات الصلة في حوارات تستهدف معاونة جهود الدولة في هذا الاتجاه. وأحسب أن المؤتمر سوف يعقد في فبراير أو مارس من العام الجديد، بعد مؤتمرنا الاقتصادي الخامس الذي سيعقد في ديسمبر المقبل، ثم مؤتمرنا الثاني لتطوير التعليم الذي سيعقد خلال شهر يناير.
ذلك الخطر الكامن في العقول وفي المنازل، لابد أن تتضافر لمجابهته كل الجهود الشعبية والتنفيذية والدينية والإعلامية، فلن يلمس الناس الثمار الحقيقية لعملية التنمية الجارية علي أرض مصر، مادامت الزيادة السكانية تتسارع دون كبح أو لجام.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار