د. نعيم مصيلحي رئيس مركز بحوث الصحراء :26 تجمعا زراعياً جديداً في سيناء وامتلاك تكنولوجيا تحلية مياه البحر قريباً

3/12/2018 9:55:30 PM  
 745 

60 % من المياه الجوفية غير مكتشفة.. ولا نملك رفاهية التأخر عن هذه المهمة

معركة التنمية أصعب من حرب الإرهاب.. ونقص التمويل أبرز المعوقات

من الثوابت في أي حديث عن البحث العلمي مقولة أن البحث العلمي لا يأتي في مقدمة أولويات الدولة، لكنك وأنت تجلس في قصر الأمير يوسف كمال الذي منحته الدولة بعد ثورة 1952 لواحد من أقدم المراكز البحثية، وهو مركز بحوث الصحراء، ليكون مقرا إداريا له، قد تساورك الشكوك في هذه المقولة، فالدولة التي لا تضن علي مركز بحثي بهذه التحفة المعمارية، لا يمكن أن تتهم بهذا الاتهام.
الطابع المعماري للمكان، والصور التي تزين الحوائط، تخطف الانتباه من أي شئ داخله، لتسري في نفسك غبطة للعاملين فيه وتتمني لو أتيح لك العمل تحت سقفه، وهوالانطباع الذي نقلته للدكتور نعيم مصيلحي، رئيس المركز، فانفجر في الضحك قبل أن يقول: يبدو أن أيامنا في القصر صارت معدودة، بعد أن طالبتنا وزارة الآثار مؤخرا بإخلائه، حيث تم تصنيفه كأثر لمرور 110 أعوام علي انشائه، لكنه عاد ليتحلي بالجدية ليقول إن الدولة بالفعل لم تضن علينا وخصصت لنا قطعة أرض بالتجمع الخامس لبناء مقر جديد للمركز.
ورغم أن د.مصيلحي يتمني أن تطول أيام المركز في القصر، إلا أنه وعد وهو يتحدث لـ »الأخبار»‬ من داخل الغرفة التي كانت مخصصة لمكتب الأمير، ألا تتأثر خطتهم البحثية بالانتقال إلي المقر الجديد.
وعبر ساعة هي المدة التي سمح بها وقته، تحدث الرجل قليلا عن بعض من ملامحها، فهو كما يبدو من الشخصيات المتحفظة في الحديث، ويزن الكلمات كثيرا قبل أن ينطقها، لذلك كانت مهمة انتزاع بعض المعلومات منه صعبة للغاية.
وكانت حصيلتنا في النهاية معلومات قليلة لكنها مهمة، تتمثل في نجاح باحثي المركز قريبا من التوصل لتكنولوجيا محلية لتحلية مياه البحر، والمساهمة في إنشاء تجمعات زراعية جديدة في سيناء، وتنمية موارد المياه في بعض المناطق الحدودية والصحراوية، ووضع خريطة توضح خزانات المياه الجوفية في مصر.. وإلي نص الحوار.

• بداية اسمح لي أن أغبطكم علي هذا المكان الذي تجلسون فيه.. هل يمكن أن تعطيني معلومات عن تاريخه؟
- تكسو وجهه مشاعر الفخر، قبل أن يقول: هو قصر كان يملكه الأمير يوسف كمال، ومنحته الدولة للمركز ليكون مقرا له بعد ثورة 1952، وأنشئ هذا القصر في عام 1908 أي أن عمره الآن حوالي 110 أعوام.
• يبدو من تصميم الغرفة التي نجلس فيها، والصور التي تزين حوائطها وكذلك صورة الأمير التي توجد أمامنا، أنها كانت غرفة مكتب الأمير؟
- لا تغادر مشاعر الفخر وجهه، وهو يقول: بالضبط هذه كانت غرفة المكتب، فهو بالمناسبة كان عالما في الحيوانات البرية.
المقر الجديد
• ولكن ألا تشاركني الرأي أن استغلال هذا المكان سياحيا، ربما يكون أفضل من أن يكون مقرا إداريا لمركز بحثي؟
- ينفجر في الضحك قبل أن يقول: ولهذا السبب تطالبنا وزارة الآثار حاليا بإخلائه، لأنه منذ عام 2007 أصبح تابعا لها بعد تسجيله كأثر، ولكننا لن نستطيع مغادرة هذه المكان قبل بناء المقر الجديد للمركز في التجمع الخامس، وهو مشروع معطل حاليا بسبب التمويل.
• نتمني ألا يؤثر ذلك علي نشاطكم البحثي؟
- تعود ملامح الجدية إلي وجهه قبل أن يقول: للعلم بداية المركز كانت في مكان بمصر الجديدة عند افتتاحه في ديسمير عام 1950، وبعد ثورة 1952 انتقلنا لهذا المكان، فالانتقال من مكان لآخر هو سنة الحياة.
• عذرا علي الإطالة في الأسئلة حول المكان، ولكن جاذبيته دفعتني لذلك؟
- ينفجر في الضحك مره أخري قبل أن يقول ساخرا: لا تقلق لست وحدك الذي يغبطنا علي هذا المكان.
• وهل كنتم بحثيا علي قدر هذا التكريم الذي منحته لكم الدولة بعد ثورة 1952 بتخصيص هذا القصر للمركز؟
- تعود الجدية من جديد لملامح وجهه قبل أن يقول: هذا قصر يكن اعتباره مقرا إداريا للمركز، لكن مكان عملنا الطبيعي هو صحاري مصر، فنحن منتشرون بها نعمل علي اكتشاف وتنمية وإدارة الموارد الطبيعية بها وخاصة فيما يتعلق بالمياه والتربة والنبات والحيوان.
• بما أن هذه طبيعة عملكم، فمن المؤكد أن لكم دورا كبيرا في معركة التنمية التي تخوضها الدولة في سيناء بالتوازي مع حربها ضد الإرهاب؟
- وكأنه كان ينتظر أن أطرح عليه هذا السؤال، حيث ارتسمت علي وجهة ابتسامة عريضة قبل أن يتحدث بتفصيل غير معهود قائلا: مركز بحوث الصحراء يتفرد بميزة مهمة عن غيره من المراكز البحثية التي يمكن أن تكون داعمة لخطط التنمية في سيناء، فلدينا خمس محطات بحثية تعمل في شمال ووسط وجنوب سيناء، وتكون وظيفتها إجراء الدراسات والبحوث التي تساعد متخذ القرار.. ومن خلال عملنا في سيناء وامتلاكنا أطلسا كاملا لمصادر المياه هناك نستطيع أن نحدد التركيب المحصولي لكل مكان في سيناء بناء علي جودة المياه في تلك المنطقة والموارد المتاحة بها، ودورنا هناك يعرفه كل أهالي سيناء، وسأعطي لك مثالا علي ذلك.. فعندما بدأنا في 1979 محطة بحوث رأس سدر، كانت الأراضي التابعة لنا هي المنطقة الخضراء الوحيدة في جنوب سيناء، ولكن الآن امتدت تلك المساحة، فنحن مصدر للشتلات التي يتحصل عليها الأهالي، كما ننظم لهم حقولا إرشادية لرفع قدراتهم، وانعكس ذلك في زيادة مساحة البقعة الخضراء.
تنمية سيناء
• تاريخ المركز في سيناء معروف، ولكن حدثني إذا تفضلت عن الوقت الراهن، ودوركم في خطة تنمية سيناء؟
- ترتفع نبرة صوته لتصبح أكثر حماسة وهو يقول: طبعا تنمية سيناء مطلب يردده الرئيس السيسي منذ أربع سنوات، وهي معركة لا تقل أهمية عن حرب الإرهاب، بل إنها أصعب، فإذا كنا نتكلم عن أن الجيش والشرطة، هما المنوط بهما بدرجة أكبر مسئولية حرب الإرهاب، فإن معركة التنمية تحتاج إلي تضافر كل جهود المجتمع، وهذا مطلب ردده الرئيس كثيرا طيلة الأربع سنوات الماضية.. ونحن نشارك في مشروع انشاء 26 تجمعا زراعيا جديدا في شمال ووسط وجنوب سيناء، وطبيعة دورنا في هذا التوجه أننا ندرس المواقع من حيث التربة ومصادر المياه ونحدد التركيب المحصولي الأنسب لكل موقع.
• ماذا تقصد بالتجمعات الزراعية، هل يمكن أن تشرحها لي؟
- التجمع الزراعي يعني قري متكاملة قائمة علي التنمية الزراعية، فيها الأراضي الزراعية والمدارس والمستشفيات والطرق التي يتم تخطيطها، وهذا عمل ضخم تشارك فيه كل الوزارات.
حصاد السيول
• بما أننا نتحدث عن التنمية الزراعية، هل ستكون النباتات الطبية والعطرية التي تتميز بها سيناء حاضرة في خطط التنمية؟
- يومئ برأسه قائلا: طبعا ستكون حاضرة، ولكن دائما ما يركز الإعلام علي هذه النقطة فقط، مع أن سيناء غنية بالموارد والتنوع البيولوجي، فمثلا منطقة سانت كاترين بها أصغر فراشة في العالم، والتي يمكن أن تكون عامل جذب للسياح، كما أن سيناء بها موارد متعدده مفيدة في مجالات التعدين والتصنيع، كما أن منطقة جنوب سيناء يحدث بها سنويا سيول ضخمة وهي مصدر خير كبير يتم فقده في خليج العقبة سنويا.
• تصف السيول بأنها مصدر خير؟!
- تخرج الكلمات من فمه سريعة، قائلا: طبعا هي مصدر خير كبير، ولكن المشكلة التي تحولها لعبء تتمثل في غياب البنية التحتية التي توفر الظروف المناسبة لحصاد مياه السيول.
• وما مشكلة توفير تلك البنية التحتية؟
- لم يعط نفسه فرصة للتفكير، وقال بكل ثقة: المشكلة الأساسية هي التمويل، ولهذا السبب طالب الرئيس كل المجتمع بأن يمد يده للمشاركة في معركة التنمية، فنحن للأسف لدينا موارد ولكن غياب التمويل يمنعنا من استغلالها.
تمصير التكنولوجيا
• أخشي أن تؤثر أزمة غياب التمويل علي مشروع تمصير تكنولوجيا تحلية مياه البحر الذي تعملون عليه؟
- يصمت لفترة تطول بعض الشيئ لاختيار ما هو مسموح بإعلانه من المعلومات قبل أن يقول: هذا المشروع غايته الأساسية توفير مصادر التمويل لتوجيهها إلي مشروعات أخري.
ويضيف وهو يشير إلي المبني الذي يوجد به مركز التميز لأبحاث تحلية مياه البحر التابع لمركز بحوث الصحراء: في هذا المبني يعكف الباحثون علي توفير تكنولوجيا محلية للتحلية، كبديل عن استيراد مكونات تلك العملية من الخارج بأموال طائلة.
• ومتي يمكن أن نقول إننا امتلكنا تلك التكنولوجيا؟
- يبدو عدم الارتياح علي وجهه وهو يقول: لا أستطيع أن أحدد لك موعدا، فهذه من الأسرار البحثية التي لا يجوز إعلانها.
• هل أستطيع القول أن ذلك سيحدث قريبا؟
- يومئ برأسه موافقا علي ما أقول، قبل أن يضيف: قريبا جدا، فالنتائج التي تم التوصل لها علي النطاق البحثي مبشرة للغاية.
• طبعا مشروع تحلية مياه البحر انجاز كبير نتمني أن ينعكس صداه في تنمية مناطق مثل سيوه..
- ولماذا اخترت سيوة تحديدا؟
• أعلم أن لكم نشاطا بحثيا مهما بها...
- تكسو وجهه علامات السعادة قبل أن يقول: لدينا محطتان بحثيتان، الأولي تعمل في المناطق التي يوجد بها ارتفاع لمنسوب المياه الأرضي في المناطق القديمة من الواحة، والثانية تتعلق بمعالجة مياه الصرف الزراعي واستغلالها في زراعة منطقة الكثبان الرملية، للتقليل من مخاطر زحفها علي الواحة، كما نجري أبحاثا تطبيقية لتحسين وسائل انتاج محاصيل التين والزيتون والنخيل، وإدخال محاصيل خضر جديدة بالواحة.
الصرف الزراعي
•  وهل يمكن أن تكون هناك مصادر أخري للتنمية الزراعية بالواحة بخلاف الاعتماد علي محصولي البلح والزيتون؟
- البلح والزيتون هما الأشهر، لكننا أدخلنا في التسعينيات زراعة القمح إلي سيوة، وأصبح هناك أكثر من مزارع يزرع القمح، ولكن مشكلة الواحة في أزمة مياه الصرف الزراعي، والتي تأكل الأراضي الصالحة للزراعة.
• كيف تحدث هذه المشكلة؟
- يشير بيديه إلي ما يشبه الطبق، قبل أن يقول: الواحة مثله، كلما تصرف مياه الصرف الزراعي علي الحرف تعود إلي العمق، وبسبب هذه المشكلة خسرت الواحة 47 ألف فدان أصبحت بحيرات للصرف الزراعي، وهي مساحة كبيرة جدا إذا ما تمت مقارنتها بالمساحة المزروعة والتي تصل إلي 27 ألف فدان.
• وهل من سبيل لاستعادة هذه المساحة الكبيرة؟
- تظهر مسحة من الحزن علي وجهه قبل أن يقول: المياه عندما تنزل إلي البحيرات تقوم حرارة الشمس بتبخيرها وتتبقي الأملامح الموجودة بها في التربة، وهذه الأراضي يصعب استعادتها، ولكن التحدي الآن هو ألا نعمل علي زيادتها، والحل هو أن يتم الصرف الزراعي للأرضي من المنبع، لأن صرفه علي الحواف يجعله يعود تدريجيا للعمق.
• وما الذي يمنع من المضي قدما في هذا المشروع؟
- سأعود لنفس ما قلته في تنمية سيناء، فالخبرات اللازمة للحل موجودة، ولكن مثل هذا المشروع يحتاج إلي تمويل ضخم.
الخزانات الرومانية
• نتمني ألا تتكرر شكوي التمويل في مشروعاتكم بمطروح، فلكم تصريح قلتم فيه إنكم أعدتم بالفعل تأهيل عدد من الخزانات الرومانية؟
- يبتسم قائلا: بالفعل اكتشفنا 600 خزان روماني وقمنا بتأهيل 500 خزان لتكون وسيلة لتخزين مياه الأمطار لتحقيق أقصي استفادة منها، ونعد باكتشاف وتأهيل المزيد.
• وهل يمكن أن تعطينا فكرة عن طبيعة هذا العمل؟
- يمسك ورقة وقلما محاولا شرحه قائلا: الرومان كانون ينحتون الصخور في الساحل الشمالي الغربي ليجعلوا بها مجاري للمياه، وفي أسفل الصخرة كان يتم بناء خزان، بحيث عندما تسقط مياه الأمطار علي الصخور تذهب مباشرة إلي الخزان.. وكثير من هذه الخزانات ردمت بالرمال بسبب عدم الاستخدام، أو أن أسقف بعضها قد انهار، وما نقوم به هو تسيير قوافل من الباحثين للبحث عن تلك الخزانات ليتم تأهيلها للعمل من جديد.
• ولماذا لا ننفذ فكرة شبيهة بتلك الخزانات في سيناء؟
- تخرج الكلمات من فمه سريعة قائلا: الوضع في سيناء مختلف، فمياه الأمطار تسقط علي كثبان رملية، لتتحول إلي ما يعرف بمياه جوفية تحت سطحية تتواجد في أعماق قليلة جدا »‬حوالي 5 أو 6 أمتار»، وهذه المياه يمكن استعادتها باستخدام مواتير رفع.
• وهل تختلف تلك المياه عن المياه الجوفية العادية؟
• المياه الجوفية العادية تتواجد في أعماق أكبر، وهناك دراسة علمية يشارك فيها المركز حاليا لتقدير حجم خزانات المياه الجوفية في مصر.
• كنت أتصور أن هذه المسألة حسمت منذ زمن بعيد؟
- في معلومات متاحة مثلا عن خزان الحجر الرملي النوبي، الذي يعد من أقدم خزانات المياه الجوفية في منطقة الصحراء الغربية، ويمتد لبعض المناطق في الصحراء الشرقية.
• وهل تتوقع أن تقودكم الدراسة الجديدة لمصادر أخري؟
- يصمت لوهلة قبل أن يقول ساخرا: تريد أن تعرف الجديد في كل المجالات من جلسة واحدة.
• القصر الذي يوجد فيه المركز يشجع علي العودة مرة أخري، ولكن لأهمية القضية يهمني أن أعرف الإجابة الآن...
- حصلنا من الدراسة علي بينات مشجعة، فقد آن الآوان لاستغلال كل نقطة مياه، فلم يعد هذا الأمر ترفا، بل صار ضرورة لابد منها.
• هل ممكن مثلا أن نفاجأ بأن ما تم اكتشافه من مصادر المياه الجوفية أقل من نصف الموجود بالفعل؟
- يصمت لفترة تطول بعض الشيئ قبل أن يقول: أهل الإعلام والصحافة يحبون لغة الأرقام، وأنا سأريحك هذه المرة وأقول لك إنه لا تزال هناك 60 % من موارد مصر من المياه الجوفية غير مكتشفة حتي الآن.




الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار