المفكر الكبير د. سعيد توفيق يتحدث لـ »الأخبار« عن بناء الشخصية المصرية: وعي المصريين تشكله »السوشيال ميديا«.. وهذا خطر

• د. سعيد توفيق أثناء حواره مع »الأخبار«
7/11/2018 8:49:11 PM  
 524 

التعليم يجب أن يتحول لمشروع قومي يكتتب فيه جميع المصريين
مقولة »شعب متدين بطبعه»‬ و»‬أسطورة» يجب أن نتخلص منها
خطة »‬طارق شوقي» لتطوير التعليم رائعة ونجني ثمارها بعد ٢٠ سنة


وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي بناء شخصية الإنسان المصري علي قائمة أولوياته في الفترة الرئاسية الثانية، ليثير ذلك العديد من التساؤلات حول جوانب القصور التي أصابت الشخصية المصرية، وهل من الممكن علاجها؟
قبل سنوات تطرق الكاتب الكبير د.جلال أمين لهذه القضية في كتابه الشهير »‬ماذا حدث للمصريين» الصادر عام 2008، والذي خلص من خلاله إلي أن هناك الكثير من عوامل الهدم التي أصابت الشخصية المصرية.
د. جلال أمين كان حريصا علي تشخيص الداء الذي تمثل في أننا أصبحنا شعبا مشغولا بالاستقواء والاستعلاء علي بعضهم البعض.
ربما لم يرد د.أمين وقتها أن يفرض وجهة نظره في كيفية العلاج، ولكن بعد أن باتت تلك المشكلة من الخطورة بمكان بحيث يجعلها الرئيس في مقدمة أولوياته للمرحلة المقبلة، فلابد من أن تكون محورا لأحاديث المثقفين والمفكرين.
وفي هذا الإطار التقت »‬الأخبار» بالمفكر الكبير د. سعيد توفيق، الأمين العام السابق للمجلس الأعلي للثقافة، والذي حاول تجاوز ما جاء به أمين في كتابه إلي طرح رؤيته للعلاج، والتي بدأها أولا باستعراض مظاهر الهدم التي أصابت الشخصية المصرية، قبل أن يتطرق إلي رؤيته للعلاج، والتي أعطي فيها اهتماما كبيرا للتعليم، الذي وصفه باللبنة الأساسية في عملية إعادة البناء.. وإلي نص الحوار.

• استخدام الرئيس السيسي لمصطلح بناء شخصية الانسان المصري يعني أن هناك هدما حدث في الشخصية، فهل تري بالفعل أن هناك هدما قد حدث؟
- بدون تردد يقول: بالفعل هناك هدم حدث تستطيع أن تتلمس ملامحه علي مستوي الوعي والمعرفة، وكذلك علي مستوي نسق القيم في المجتمع، ويكفي أن تسير في الشارع المصري لتدرك حجم التدمير الذي حدث في وعي أصبح يتم تشكيله عن طريق السوشيال ميديا، التي ضيعت اللغة العربية، وقضت علي قيمة بذل الجهد في الحصول علي المعلومة، وأصبحنا نعتمد علي المعلومة السريعة، سواء كانت صادقة أو كاذبة وهذا خطر.
وعلي مستوي القيم، أصبحنا أمام وعي ديني تم تخريبه، وشعب متمسك بأسطورة أنه متدين بطبعه، فكانت سلوكياته أبعد ما يكون عن صحيح هذا الدين، لتشعر أننا أصبحنا أمام دين مزيف.
عبارة قاسية
• ألا تري أن عبارة »‬دين مزيف» قاسية بعض الشيء؟
- يومئ بعلامة الرفض قبل أن يقول بكل حماس: لا ليست قاسية، لأن السلوكيات التي نراها في الشارع المصري ليست معبرة عن صحيح الدين، الذي تم اختصاره في أداء شكلي لا يترك أثرا علي السلوك، ويظن صاحب هذا الأداء أنه أدي مهمته أمام الله، ومن حقه حينها أن يفعل ما يشاء، فتجده يلقي بالقمامة من السيارة ويحاول أن يأخذ حق غيره في الطريق، وهي سلوكيات وان بدت للبعض بسيطة، إلا أنها تكشف عما هو أكبر.
• تقصد بما هو أكبر بعض السلوكيات الأكثر خطورة؟
- ما أردت قوله إن من لم تمنعه قيمه من الاتيان بهذه السلوكيات التي تنظر لها علي أنها بسيطة هو نفس الشخص الذي سيقوم بما هو أكبر من ذلك إن آجلا أو عاجلا، ويكفي مطالعة صفحات الحوادث بالصحف لتدرك ذلك.
• وهل انتشار مثل هذه الحوادث هو ما دفعك لوصف الاعتقاد بأننا »‬شعب متدين بطبعه» بـ»الأسطورة المزيفة»؟
- ترتسم علي وجهه ابتسامة ساخرة يعقبها بقوله: هترجع تقول بعد كل ما سبق »‬شعب متدين بطبعه »‬، يجب أن ننزع هذه الأسطورة من حياتنا، لأننا شعب في حاجة إلي إعادة تربية.
استغلال الدين
• ولكن ألا تتفق معي أن سلوكياتنا إبان ثورة 25 يناير جاءت متسقة مع عبارة »‬شعب متدين بطبعه»، بل إننا كنا نردد عبارة أن الثورة أظهرت المعدن الحقيقي للإنسان المصري؟
- لا أختلف معك، فالثورة ليست عملا بسيطا، هي لحظة تطلع لتغيير حقيقي، وهي لحظة تكون مشبعة بالأمل والتطلع لمستقبل تسوده القيم، وعلي رأسها قيمة العدل، التي رفعت كشعار في الثورة، ومن الطبيعي أن تساهم هذه الحالة في ظهور النقاط المضيئة داخل النفس البشرية، لذلك كانت السلوكيات إبان الثورة توصف بهذه الأوصاف الجيدة التي أشرت إليها.
• المنطقي أن تستمر هذه الحالة، فلماذا عدنا إلي ما فترة قبل الثورة...
- تخرج الكلمات من فمه سريعة: لأنه باختصار لم تنجح الثورة، وانطفأت النقاط المضيئة عندما تيقن الناس من غياب قيمة العدل، والتي يؤدي غيابها إلي حدوث تدمير في المجتمع، في كل المجالات من تعليم وثقافة واقتصاد، وينعكس ذلك علي سلوكيات البشر، فتشيع البلطجة، كوسيلة لأخذ الحقوق.
• ومن المسئول عن فشلها؟
- فشلت عندما ركبها من يزيفون الوعي، وهم الإخوان والسلفيون، والذين تحول معهم الدين إلي شكل بلا مضمون، واستغلوه للوصول إلي الحكم، ولم يختلفوا كثيرا عن نظام مبارك.
• قد يقول البعض أن فترة عام غير كافية للحكم عليهم؟
- الخطاب يظهر من عنوانه، فخلال عام لم نسمع عن خطة لتطوير التعليم وتحقيق العدالة التي نادت بها الثورة، لأنهم ونظام مبارك وجهان لعملة واحدة.
• كيف تضع نظام استمر 30 عاما في مقارنة مع نظام لم يستمر سوي عام واحد؟
- أقارن بين الاثنين في استغلالهما للدين، فنظام الإخوان استغل الدين للوصول إلي الحكم، ونظام مبارك ومن قبلة السادات استغل الدين لتثبيت أركان حكمه، بعقد صفقات مع الإخوان والسلفيين لمواجهة التيارات الأخري، والمحصلة في النهاية أنهما ساهما في تزييف الوعي الديني، ليتحول إلي شعارات يتم وضعها مثلا علي السيارات، مع أن سلوكيات صاحب السيارة قد لا تمت لصحيح الدين بصلة.
• أفهم أن تطالب بأن يأتي السلوك مطابقا للشعار، ولكن ما أخشاه أن يفهم من كلامك هو الرفض لكل ما يكشف عن هوية الشخص الدينية؟
- يصمت لوهلة قبل أن يقول: في دولة القانون يجب أن يختفي أي شعار يكشف عن الهوية الدينية، لأنه من المفترض أن يتساوي الجميع أمام القانون، ويصبح الانتماء للوطن وليس للهوية الدينية، وكم أتمني أن ندرك ذلك في مصر فنلغي الهوية الدينية من البطاقة الشخصية.
• استغرقنا وقتا طويلا في توصيف الداء، فهل نجد لديك روشتة العلاج؟
- لم ينتظر اكمال سؤالي، وقال وقد ارتفعت نبرة صوته قليلا : التعليم ثم التعليم ثم التعليم.
• أفهم من ذلك أنك تحمل النظام التعليمي مسئولية كل ما أشرت إليه سابقا من سلبيات؟
- ترتسم علي وجهه ابتسامة ساخرة، أعقبها بقوله: هو احنا عندنا تعليم، لقد قلتها وما زلت أرددها »‬لا يوجد تعليم في مصر»، يوجد لدينا شباب يحمل شهادات عليا، لكنه في الحقيقة غير متعلم، لأنه تدرب علي كيفية اجتياز الامتحان، من خلال »‬كبسولات الإجابات» التي تعطي له في الدروس الخصوصية، لكنه في الحقيقة لم يتعلم.
ثقافة الكبسولة
• ألم تشعر ببعض من ملامح الأمل في مشروع نهضة التعليم التي يتبناه الوزير الحالي د.طارق شوقي؟
- المشروع أكثر من رائع، وكثير مما كنا نقوله عن تطوير التعليم يوجد بهذا المشروع، مثل تعظيم التعليم الذاتي وتهميش فكرة الامتحان، للقضاء علي ما أسميته بـ »‬ثقافة كبسولة الإمتحان»، ولكن المهم أن نبدأ لأننا لا نملك رفاهية الوقت، وإذا بدأنا من الآن فيجب أن ندرك أن أمامنا 20 عاما حتي نشعر بثمار هذا المشروع.
• 20 عاما؟! ألا تري أننا بحاجة لخطة أسرع؟
- هذا وقت معقول جدا، لكن المهم كما قلت لك سابقا هو أن نبدأ، فمن المفترض أن تتعامل تلك الخطة مع جيل كامل بدءاً من الحضانة وحتي التخرج في الجامعة، وبالتالي فإن مدة 20 عاما معقولة جدا، ولكن هذا يجعلنا نؤكد علي ضرورة أن تسير خطة الوزير شوقي لتطوير التعليم قبل الجامعي جنبا إلي جنب مع خطة يتم وضعها لتطوير التعليم الجامعي.. فالهدف في النهاية هو أننا لا نريد تخريج جحافل من الجهلة، لكننا نريد أن يكون لدينا متعلم حقيقي.
• وهل نضمن حدوث تأثير واضح للتعليم الجيد علي الشخصية المصرية؟
- يوميء بالموافقة قبل أن يقول: الجيل الحالي يتسم بالذكاء، ولكن ذكاءه لم يستثمر عن طريق تعليم جيد ونظام ثقافي محترم، فأصبحت الكفاءات محدودة جدا، وهو وضع لا يليق ببلد تعداد سكانه يفوق الـ 100 مليون.
فإذا كنا نتحدث عن أن الزيادة السكانية مشكلة يجب بذل الجهد لحلها، عن طريق وضع قوانين محفزة، فإنها من ناحية أخري لها وجه إيجابي إذا تم استثمار البشر استثمارا جيدا.
• إذا كان التعليم استثماراً طويل الأجل يحتاج إلي 20 عاما، كما قلت سابقا، فهل من تحرك عاجل يشعرنا بحدوث فرق في الشخصية المصرية؟
- تطوير التعليم يجب أن يسير جنبا إلي جنب مع حدوث تطوير في الثقافة وفي منظومة القوانين، لأن غيابها يؤدي إلي انتشار ثقافة الفهلوة.
• يبدو حديثك متسقا مع مقولة شهيرة للعالم المصري الراحل د.أحمد زويل، تقول: أن المصري لا ينقصه الذكاء، لكن أزمته في »‬الفهلوة» ؟
- أتفق تماما مع هذه العبارة، فالفهلوة للأسف ثقافة مصرية استشرت في حياتنا بسبب غياب قيمة العدالة، فالإنسان الذي يشعر أن بإمكانه الوصول لمبتغاه بطرق ملتوية، فلماذا يبذل الجهد والعرق لتحقيق ذلك، فالفهلوة وقتها ستكون هي الطريق الأسهل والأسرع.
• وهل غياب مثل هذه الثقافة في بعض دول الخليج جعلتهم يسبقوننا في كثير من المجالات، حتي إن إحدي هذه الدول خصصت وزارة للسعادة؟
- هذه الدول عدد سكانها قليل ولديها ثروة وفيرة، وبالتالي فإن المستوي المعيشي مختلف، وطبيعة المشكلات مختلفة، ولكنا دعنا نعترف أن هذه الدول تتبع قوانين صارمة ورادعة في كل شيء، ويتم تنفيذها بدقة، وهذا يساعد كثيرا في ضبط السلوك.
مشروع قومي
• إذا كنت صاحب قرار تبدأ بالتعليم أم تطوير منظومة القوانين؟
- يشير بسبابته قبل أن يقول بكل حزم: التعليم بدون نقاش يجب أن يتحول إلي مشروع مصر القومي الأول حتي لو لزم الأمر اكتتاب المصريين فيه، واتصور أن الشعب المصري لن يتأخر إذا شعر أن الدولة جادة في تطوير التعليم، لأن ذلك في النهاية سينعكس علي مستقبل أبنائهم.
وكما قلت لك سابقا، يجب أن يسير جنبا إلي جنب مع ذلك تطوير منظومة القوانين، للقضاء علي ثقافة الفهلوة، كما يجب أن يحدث تغيير ملموس في الثقافة، فالأمر المثير للدهشة أن بلداً مثل مصر لديها هذا الكم من القنوات التليفزيونية، ولا يوجد بهذه القنوات برنامج ثقافي واحد.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار