د. محمد المهدي أستاذ الطب النفسيلـ »الأخبار« :»الجرائم الأسرية« تحتاج للفحص النفسي 

• د. محمد المهدي أثناء حواره مع »الأخبار«
9/9/2018 9:25:21 PM  
 369 
  

وسائل التواصل الاجتماعي  رسخت ثقافات غريبة وأحدثت حالة من الغربة بين الأسرة

تنقية البيئة من الزحام والعشوائيات والتلوث السمعي والبصري والأخلاقي ضرورة حتمية


 بدم بارد يتخلص من طفليه بإلقائهما في النيل..وآخر يضع السم لأبنائه الأربعة.. وثالث يعلق طفليه في السقف ويضربهما فيموت أحدهما وينجو الآخر في اللحظات الأخيرة ليحكي ما حدث ورابع  يقتل بناته الخمس وتنجو إحداهن  ومهندس يقتل زوجته وابنه وابنته ببلطة وسكين خشية الفقر والاحتياج. وأم  تقتل طفلها لأنه رآها في أحضان عشيقها..
حوادث بشعة تجاوز فيها العنف السقف المتوقع في السلوك الإنساني  داخل الأسرة.. فالأب والأم يتوقع منهما الحب لأبنائهما ورعايتهما وحمايتهما من أي خطر فهاهما يصبحان أكبر خطر يهددهم.
انفجار هذه الحوادث  في الأيام الأخيرة كان بمثابة زلزال يهدد الكيان الأسري إذ لا يتصور من العلاقة الوالدية في حدودها الطبيعية أن تصل إلي قتل الابن أو البنت حيث ثمة عتبة من القسوة يجب الوصول إليها لتتجاوز كل عتبات الحب والرعاية الوالدية.
 فهل دخلت مصر في نطاق القتل اللامعقول للأطفال والكبار  داخل الأسرة الواحدة ؟
ولماذا أصبحنا اليوم نتحدث عن جحود وقسوة ووحشية الآباء والأمهات ؟
هذه الأسئلة وغيرها طرحناها علي د. محمد المهدي أستاذ الطب النفسي الشهير فماذا قال ؟

المخدرات شوهت الخريطة المخية
وأدت لتصرفات شاذة وغير متوقعة

 • هل تابعتم  تلاحق جرائم قتل الأطفال مؤخرا ؟
- نعم..  ففي خلال 24 ساعة فقط في  رابع أيام عيد الأضحي ـ وعقب الجريمة المروعة لأب ميت سلسيل الذي تخلص من طفليه بإلقائهما بالنيل ـ أصابتني ثلاث جرائم قتل وتعذيب بالصدمة.. فهذا  أب عمره 40 سنة يضرب ابنته البالغة من العمر 13 سنة بمساعدة زوجته الثانية حتي لفظت أنفاسها الأخيرة ووضعاها في جوال بمنور المنزل وتركاها حتي تعفنت وعللا ذلك بكثرة هروبها من المنزل.
وأب 38 عاما تركته زوجته لعدم قدرة الزوج علي الإنفاق علي الأسرة وذهبت لتعيش مع أسرتها وعندما فشل في اعادتها ذبح طفله بدم بارد.
وهذا طفل عمره 5 سنوات ينقل للمستشفي في حالة إعياء شديد وفي جسده آثار تعذيب وكي بالنار وإطفاء سجائر في جسمه  النحيل  وقد تم هذا التعذيب علي يد والدته 40 عاما وأخته 18 عاما وخطيب أخته لأنه  شاهد أخته وخطيبها في أوضاع مخلة فخشوا أن يفشي هذا الأمر لوالده.
وسبب صدمتي من تلك الحوادث وغيرها أن القسوة فيها تجاه الأبناء تجاوزت كل منطق وكل مشاعر إنسانية.
غير مسبوقة
• لكن مثل تلك الجرائم كانت موجودة علي الدوام ؟
- بالتأكيد.. لكنها  لم تكن علي هذا النحو.. فقد  زادت بصورة غير مسبوقة كما أن درجة القسوة بها لم تبلغ هذا الحد في يوم من الأيام داخل الأسرة الواحدة وإذا كنا في الماضي نتحدث عن عقوق الأبناء للآباء والأمهات  فنحن اليوم نتحدث عن جحود وقسوة ووحشية الآباء والأمهات
فأب يضرب ابنه بخرطوم الغسّالة حتي الموت وأم تقتل طفلها من أجل عشيقها ؟!
فقديما كنا نستبعد أن يكون الأب القاتل لأبنائه أو الأم القاتلة لأبنائها  وإذا حدث هذا كنا نطالب بعرضهم علي الفحص النفسي المتخصص. لأن دور الأب والأم هو تعهد أبنائهم بالتربية والرعاية وحمايتهم من أي خطر وسوء .
الأسرة المأزومة
• وهل تكرار هذه الحوادث مؤخرا دليل  علي وجود أزمة داخل الأسرة المصرية ؟
- انفجار هذا الكم من الحوادث المفجعة مؤخرا يوحي بأن ثمة زلزالا يهدد الكيان الأسري في مصر  وأن الأسرة المصرية مأزومة بدرجة تدعو إلي القلق  وأن حالة التأزم هذه تضع الوالدين (وخاصة الأب) علي حافة العنف  بل العنف المفرط في القسوة.
• ولكن هل هناك سبب واضح لهذا العنف الأسري ؟
- من التبسيط المخل تفسير كل الحالات بناء علي عامل واحد مهما تكن قوته  ولذلك من المنطقي أن نفكر بطريقة العوامل المتعددة والمتضافرة والتي تضع الأب أو الأم في حالة إحباط أو غضب شديد يفجر في داخله (أو داخلها) كما من العنف والقسوة يكفي لإزهاق روح أعز الناس عليه (أو عليها) بطرق بشعة.
• وما أهم هذه الأسباب  علي ضوء الحوادث الأخيرة ؟
- من أهم هذه الأسباب العامل الاقتصادي خاصة مع غلاء الأسعار الأمر الذي  يجعل الأبناء يشكلون عبئا يضع الآباء والأمهات في حالة تناقض وجداني بين محبتهم لأبنائهم ومعاناتهم من ضغوط رعايتهم التي تفوق قدراتهم علي التكيف مع الظروف الصعبة.
كما أن الصعوبات الاقتصادية تجعل الأشخاص في حالة توتر شديد وقابلية للانفجار في أي لحظة  وهذا الانفجار يحدث تجاه الحلقة الأضعف وهي الأطفال.
 غياب التناغم داخل الأسرة
• لكن هناك أسر ظروفها الاقتصادية أصعب كثيرا ورغم ذلك تحرص علي  رعاية أبنائها وإحاطتهم بالرعاية والحنان؟
- نعم.. هذا يحدث بالقطع لكن ليس في كل الأحوال كما أن العامل الاقتصادي لا يكون وحده السبب بل هو أحد الأسباب الضاغطة ويتزايد أثره مع اضطراب العلاقات داخل الأسرة.. فلم تعد الأسرة متناغمة ومتحابة كما كانت،  فالزوجان في خلافات وصراعات دائمة  وهما في حالة طلاق عاطفي في كثير من الأحيان  ويكملان حياتهما الزوجية فقط بسبب وجود الأطفال بينهما.
وهنا يصبح وجود الأطفال سببا في استمرار علاقة مرفوضة أو علاقة اضطرارية وهنا تظهر المشاعر السلبية تجاه الأطفال كسبب للمعاناة المستمرة  كما أن الروابط الوجدانية لم تعد قوية في زمن انشغلت فيه الأم عن أبنائها بمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي  وانشغل الأب بالبحث عن الرزق ليل نهار ليغطي متطلبات الحياة المتزايدة  وانشغل الأبناء بالجلوس علي الإنترنت ليل نهار ولم تعد أعينهم ترتفع عن شاشة الموبايل أو اللاب توب أو الآي باد أو التاب أو الخروج مع أصحابهم ليل نهار. واضطرب الميزان التربوي حيث تدخلت وسائل الاتصال الحديثة في ترسيخ ثقافات غريبة علي النظام التربوي مما أحدث حالة من الغربة بين الآباء والأبناء.
• وهل  تعاطي المخدرات له تأثير واضح في تزايد مثل تلك الجرائم ؟
- بالقطع.. ليس مثل تلك النوعية فقط بل في معظم أنواع الجرائم..  فالمخدرات بنوعيها التقليدية والتخليقية  أصبحت تنتشر بين الكثير من الناس بشكل وبائي أدي إلي تغيير في المشاعر والانفعالات والأفكار  وشوهت الخريطة المخية بما يسمح بصدور تصرفات شاذة وغير متوقعة من البشر في أحوالهم العادية.
 فكثيرون ممن يتعاطون المخدرات يصابون بحالات من الشك المرضي في زوجاتهم وفي نسب أبنائهم ويتصرفون باندفاعات انفعالية أشبه بالانفجارات الخارجة عن السيطرة.
وهناك سبب هام وهو إزاحة العنف نحو الحلقة الأضعف  بمعني أن الأب مثلا يكون واقعا تحت ضغط رؤسائه في العمل  أو ضغط زوجته أو ضغط الظروف الاقتصادية  أو ضغط العمل الشاق المتواصل  أو صراعات في العلاقات.. كل هذا لا يجد منصرفا نحو المصدر الأصلي للضغط أو القهر وهنا يتم إزاحة مشاعر الإحباط والغضب والعنف نحو الحلقة الأضعف وهي الأطفال.
أب مجهد وأم مرهقة
• وهل هناك أسباب أخري تؤدي  لمثل تلك الجرائم؟
- هناك اضطرابات النوم  وذلك بسبب ساعات العمل الطويلة للأب  والأدوار المتعددة المرهقة للأم  وقضاء أوقات طويلة علي مواقع التواصل الاجتماعي أو التليفزيون لأوقات متأخرة من الليل وهكذا تري كثيرا من الناس في حالة إرهاق وتوتر شديدين بسبب قلة ساعات النوم  ويصبح الشخص في هذه الحالة علي حافة العنف فينفجر في أي شخص يسبب له توترا.
بالإضافة للاضطرابات النفسية التي تصيب أفراد الأسرة مع ضعف الوعي بها وبإمكانية علاجها حتي تتفاقم وتصل إلي درجة تؤدي إلي اضطرابات في الإدراك والتفكير والانفعالات تسهل عملية القتل وخاصة القتل اللامعقول أو اللامتوقع.
كما أن ضعف القدرات التربوية للأسرة  يضع الأب أو الأم في أزمة حين لا يستطيعان السيطرة علي سلوكيات الابن أو البنت فيشعران بالفشل والإحباط فينفجر العنف بداخلهما تجاهه (أو تجاهها) فيمارسان الضرب والتعذيب بديلا للتربية التي فشلا فيها.
بالإضافة لانتشار  ثقافة العنف في المجتمع عبر وسائل الإعلام ومن خلال الأعمال الدرامية المليئة بالقسوة والكراهية والعنف والتدمير.. مع الاستهانة بحقوق الطفل في مثل هذه الأعمال.
المشكلات الزواجية
• وهل عجزت الأسرة المصرية عن حل خلافاتها بالطرق التقليدية للحفاظ علي تماسكها؟
- بالفعل ضعفت  القدرة علي حل الخلافات الأسرية  خاصة حين غابت الطرق القديمة  مثل الجلسات العرفية وتدخل الحكماء من الأهل أو الجيران وفي نفس الوقت لا تتوافر الوسائل الحديثة في المجتمع مثل مكاتب وعيادات ومراكز الاستشارات وحل المشكلات الزواجية والأسرية.
علاوة علي غياب أو ضعف المؤسسات الاجتماعية المعنية بأمر الأسرة وبتمكينها من أداء وظائفها تجاه أفرادها والوقوف بجانبها في أوقات الصراعات أو الأزمات.. وساهم في كل ذلك البيئة المصرية المضطربة بسبب الزحام والعشوائيات والتلوث السمعي والبصري والأخلاقي  وبات تنقيتها ضرورة حتمية.
 • وما السبيل لعلاج هذا الخلل الأسري وإعادة روح الوئام للأسرة المصرية ؟
- لابد من تفعيل برامج وسياسات الرعاية الاجتماعية للتخفيف من الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الطبقات الفقيرة والمتوسطة.. وتفعيل دور  المؤسسات الاجتماعية التي ترعي شئون الأسرة ومنحها الإمكانات المادية والفنية الكفيلة بتمكينها من أداء دورها في مساعدة الأسر المأزومة أو المضطربة..وتتحتم التوعية بالأمراض النفسية وبمشكلات تعاطي المخدرات وتوفير سبل الوقاية وأماكن العلاج  حيث يوجد نقص وخلل شديدان في هذا الشأن.
كما أن تنقية  المواد الإعلامية من مظاهر العنف اللفظي والجسدي باتت ضرورة حتمية  وينبغي الإرتقاء بالرسالة الإعلامية لتؤدي وظيفتها بشكل راق بعيدا عن دعوات العنصرية والتحريض والاستقطاب والكراهية والتهميش بين فئات المجتمع.
 ويجب تفعيل دور الأحزاب السياسية لفتح آفاق المشاركة السياسية  وفتح مجالات الإنتاج والإبداع الاقتصادي وتوفير فرص العمل  وتحسين ظروف البيئة من خلال خفض معدلات التكدس السكاني والزحام والتلوث السمعي والبصري والأخلاقي.
العنف المفرط
• وهل إصلاح الخلل في منظومة التعليم يساهم في حل مشاكل الأسر المأزومة ؟
- من البديهي أن إصلاح التعليم  يرتقي بوعي الناس ويمنحهم قدرات وملكات تعينهم علي حل المشكلات بالعقل والمنطق دون الحاجة للعنف المفرط. .كما ينبغي الاهتمام بالدراسة النفسية والاجتماعية المتعمقة لكل حوادث العنف خاصة العنف الأسري والعنف الموجه نحو الأطفال للخروج بتوصيات نوعية مبنية علي معرفة الأسباب الحقيقية وراء الجريمة ويتم ذلك بواسطة خبراء متخصصين في علم النفس والاجتماع..كما يجب ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وتطبيقها عمليا ويكون رب الأسرة قدوة لأبنائه  في احترام حقوقهم  ورعايتهم والحفاظ علي سلامتهم  وكرامتهم  وحياتهم وتوفير احتياجاتهم الأساسية وفق قدرة كل منهم.
وبث الوعي الديني من خلال المؤسسات الدينية » المسجد والكنيسة »‬ وخاصة في مجال العلاقات الأسرية والحقوق والواجبات بين أفراد الأسرة  وقواعد التعامل بين الآباء والأبناء.. كل هذا من شأنه أن يعيد التوازن المفقود داخل الكثير من الأسر ويعيد التماسك والاحترام بين جميع أفرادها قبل تزايد ظاهرة العنف غير المسبوقة التي باتت تؤرق الجميع.







الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار