نهر الذكريات..

علاء عبدالوهاب
5/15/2018 7:02:57 PM  
 1538 

يوميات الأخبار

صباح اليوم التالي استدعاني الاستاذ موسي رئيس تحرير الأخبار آنذاك، تصورت أن الأمر يتعلق بتعليمات خاصة بعملي، لكن ثمة مفاجأة كبري كانت بانتظاري

الثلاثاء:

.. ومضي قطار العمر سريعاً!


كأنه الأمس القريب، يوم صُمت- كالكبار- لأول مرة في حياتي، وكنت ابن السادسة، وهاهم أحفادي سعداء باستعدادهم لـ »سنة أولي صيام»‬.

في منتصف العمر كان ذات المشهد مع أمهاتهن، بناتي، وتمر السنوات كلمح البصر، ويتكرر المشهد لثالث مرة، الجد »‬أنا» ثم الأبناء، فالأحفاد، لكن المذاق يختلف، لابتباين المواقع والأدوار، وانما لاختلاف الازمان.

ثمة طقوس كانت تحف بنا مع إقتراب رمضان، كم كانت بسيطة وجميلة، مُغرقة في انسانيتها، تلف الجميع، هكذا كان الحال في منتصف ستينيات القرن الماضي، في مدينة تحيطها الماء  والخضرة، ويسكنها الهدوء، وحينما يهل رمضان تتحول إلي لوحة بديعة بشوارعها، وارتفاع مبانيها، ومآذنها المزدانة بأضواء يغلب عليها اللون الاخضر.

في القاهرة، اختلف المشهد كثيراً، لم يستمتع الأبناء برمضان كما استمتعت، لكنهم تعايشوا، ومن قبلهم أنا، مع حالة الصخب الجاف، ولايبقي من شريط الحياة، إلا نهر الذكريات بمثابة السلوي عبر سرد لايغادر النفس، أبداً يناجيها.

يقطع تدفق النهر سؤال من أحد الاحفاد:

متي صُمت ياجدو؟

في مثل عمرك.


أقرأ في عيونهم سعادة ممزوجة بامتنان، ربما تصوروا أنني أجاملهم، إذ لايصدقون انني كنت - يوماً - صغيراً!

لايعلمون إنني لوخُيرت ما غادرت طفولتي، ولامدينتي، ولامدرستي، ولاخترت أن ألوذ بعالمي الصغير حتي اليوم!

.. ومازال النهر يتدفق.

خالد وموسي

الاثنين:


في رحلة الحياة، تلتقي بمن لايمكن لفواصل الزمن أن تنسيك لقاءهم.

الاستاذ خالد محيي الدين في مقدمة هؤلاء.

عرفته قبل أن اجتاز عتبة العشرين من عمري، في تجربة اصدار جريدة الأهالي، تجسيد حي لمعان راقية سامية، لا يُشعر من يحادثه إلا بأنه أب أو أخ، خال أو عم، وفي اعماقه تلمس نبل الانسان- بحق- وشموخ الفارس في تواضع جم.

لم تستمر »‬الأهالي» طويلاً،  إلا أن تجربتها ظلت محفورة في ذاكرتي، وفي القلب منها القرب من الاستاذ خالد، ثمة صدام كان يبدو حتمياً بين ما تمثله »‬الاهالي» والرئيس السادات، فكان أن تكرر مصادرتها، ثم توقفت تماماً.

رحل السادات في ظروف مأساوية، وخلفه نائبه حسني مبارك، فاختط نهجاً تصالحياً وعادت »‬الأهالي» للصدور.

كنت قد تخرجت في »‬اعلام القاهرة»، والتحقت بـ »‬الاخبار»، وجمعتني مصادفة بأحد الزملاء ممن جمعنا العمل في تجربة »‬الأهالي»، وسألني: لماذا لا تعود؟

وأجبته: من الصعب الجمع بين الموقعين، لم ييأس وقال: لماذا لاتجرب؟ قلت لنفسي: أليس من الواجب أن اهنيء الزملاء في »‬الأهالي»؟

بالفعل توجهت لمقر الجريدة، وكان استقبالاً طيباً مُرحباً، وعرضاً بالعودة، وحينها ذكرت ان ثمة تعارضاً بحكم وجودي في »‬الاخبار»، قال لي صحفي كبير: يستطيع الاستاذ خالد أن يذلل الأمر باتصال مع الاستاذ موسي صبري.

وعندما قرأ في عيني الدهشة اردف: انهما صديقان، لكن دهشتي اتسعت، فقال لي: لن تخسر شيئاً، انتظر وستري، انت لاتعرف قدر الاحترام المتبادل بينهما، ولن يرفض الاستاذ موسي طلبا كهذا للاستاذ خالد»‬!»

صباح اليوم التالي استدعاني الاستاذ موسي رئيس تحرير الأخبار آنذاك، تصورت أن الأمر يتعلق بتعليمات خاصة بعملي، لكن ثمة مفاجأة كبري كانت بانتظاري:

- علاء.. لامانع من أن تتعاون مع »‬الاهالي» بشرط ألا يؤثر ذلك علي عملك الأصلي.
رحم الله الاستاذين، حقا كان بمصر رجال كبار.

مصري  ويوناني

الاحد:

كرياكو.. خريستو.. نكيتا.. كوستيه.. باركليه.. و..و..


اسماء علقت بذاكرتي، رغم مرور سنوات وعقود علي نداءاتي لاصحابها، مسبوقة بكلمة »‬عمو»، وأحياناً بـ »‬ياخواجة» كما كان يحلو لأبي أن يشاكسهم بإطلاقها!

ما انطبع بذاكرتي، ولم يغب عنها قط، كان بين أواسط ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كانوا جيراناً، وكانوا اصدقاء لأبي، ومن قبله جدي، وعندما تعاملت معهم كان ذلك بعد سنوات من قيام ثورة يوليو، والعدوان الثلاثي، ونكسة ٦٧، كانوا متشبثين بالأرض التي احتضنتهم في مدينتي ميت غمر، وبعضهم كان في المدينة المقابلة التي لايفصلها عنا سوي النيل.

اسبوع احياء الجذوراستدعي- بسهولة ويسر تامين- أياماً بعيدة قريبة، بعيدة في الزمان، قريبة من القلب، فقد كانوا مصريين خالصين، لاتفرقهم في شيء سوي بياض البشرة المشرب بحمرة كلفح الشمس، وبعض الكلمات التي تتكسر احرفها علي ألسنتهم، ومادون ذلك كانوا مصريين قلباً وقالباً، اللهجة، خفة الدم، النكتة الحاضرة، كرم الضيافة،..،..، باختصار كانوا منا، لم اشعر يوماً بأنهم قوم غرباء.
منهم اليونانيون، ومنهم القبارصة.

ولا أنسي »‬طنط ماريكا» التي كانت قرينة لمصري مسلم سليل احدي العائلات الكبيرة في المدينة، وكم كانت تحظي بحب جيرانها، واحترام كل من يتعامل معها، ورغم جمالها المبهر، لم تعاني من أي سلوك جارح، بالعكس كان جميع من حولها يسعون لأن يكونوا عوضاً عن اسرتها التي رحل بعضهم قافلاً لبلده، بحثا عن فرصة أو اختاره الله ودفن في تراب مصر.

كانت ميت غمر - علي نحو مصغر- تشبه الاسكندرية مدينة كوزموبوليتانية تنعم بتعددية انسانية، فإلي جوار الأجانب اسما، المصريين فعلاً، كان هناك التركي واليمني والمغربي، الشامي والسوداني وكانت حارة اليهود -رغم رحيلهم- يتذكرها أهل المدينة بحكايات بعضها طيب ولطيف!

ربما كانت ما اسعفتني به الذاكرة، خير رد علي ان ثورة يوليو، وما أعقبها من احداث شكلت مناخاً طارداً للاجانب، اذا كان الأمر فعلاً علي هذا النحو، فمن هؤلاء الذين عايشتهم ايام الصبا والشباب؟!

محفوظ  وترامب

السبت:


قبل ولوج نجيب محفوظ إلي نادي نوبل، لم تحظ الجائزة باهتمام شخصي، ربما لاحساس مبكر انها- رغم ما يحيطها من هالات- تخضع لحسابات وتوازنات، بل قد تكون لحظة تاريخية غير مبرأة من أن توظف كإحدي أدوات الحرب الباردة، أو خدمة بعض السياسات  والتوجهات في الغرب، وبالتحديد تلك التي تُصنع في واشنطن.

فرحتي كانت منقوصة قبل محفوظ، وبعده، مرة حين اقتسم السادات نوبل للسلام مع الثعلب الصهيوني العنيد مناحيم بيجين، ومرة عندما ربط البعض بين حصول د.زويل عليها، وزيارته السابقة لإسرائيل وقبوله جائزة منحتها له مؤسسة علمية إسرائيلية، حتي محفوظ لم يبرأ من اتهامه بأن فاز بنوبل لأنه لم يكن معادياً للتطبيع!

وفجأة يظهر شبح ترامب، عندما تجرأ 18 عضوا بالكونجرس علي ترشيحه لجائزة نوبل للسلام!! حدث ذلك قبل فضيحة التحرش بـ 18 سيدة، والتي تورط فيها زوج عضوة باللجنة المانحة، وهو مصور صحفي معتمد بالاكاديمية السويدية. ربما يكون الخيط الذي يربط ترامب ببطل الفضيحة التي قادت لحجب نوبل للأدب في 2018 هو التحرش، فرئيس امريكا متحرش بكل المعاني، الاخلاقية والسياسية علي السواء!
من رشحوا ترامب احتجوا بأنه بصدد نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، ونسوا أنه انسحب من الاتفاق النووي الايراني، ونقل سفارة بلاده إلي القدس المحتلة، مع ما يعنيه ذلك مع اشعال الفتن بطول المنطقة وعرضها، ثم صفقات السلاح بالمليارات، ودفع العالم من جديد نحو سباق  التسلح من جهة، واستعادة الحرب الباردة، والحروب التجارية من جهة أخري، فأي سلام هذا.

عن نفسي، ما اقتنعت يوماً بالهالة التي احاطت بنوبل!

الإخوان  والاوبرا

الجمعة:

للحريق مواسم!


مع كل موسم يقفز من ذاكرتي حريق اقترب عمره اليوم من نحو ٥٠ عاما، اقصد التهام النار لدار الاوبرا.
التوقيت، والملابسات، والظرف السياسي، والتحالفات الاقليمية،و...و.. وتعليق المأساة في رقبته خفير في البداية، ثم ماس كهربائي وفق التقرير الفني النهائي، ثم اغلاق الملف بصورة مريبة، كل هذا جعل حريق الاوبرا ماثلاً دائماً في ذاكرتي منذ وقعت الكارثة وحتي الآن،وفي كل مرة اشعر أن ثمة مؤامرة استهدفت صرحاً حضارياً مع سبق الاصرار والتعمد.

فور رحيل عبدالناصر في اواخر ١٩٧٠، ثمة تحركات سريعة في الداخل والخارج، تمحورت حول عودة دور الاخوان للمشهد، عاد من عاد من الخارج، بدعم قوة عربية احتضنتهم، وافرج عمن كانوا يقضون احكاماً قضائية بالسجن، وكلا الفريقين سجل شكره رسميا للرئيس في القصر الجمهوري. هل كان المجهول الذي قيدت ضده جريمة حرق الاوبرا هم الاخوان؟

ماحدث قبل ثورة يوليو عندما التهمت النار قلب العاصمة فيما عرف بحريق القاهرة، وماشهدته مصر منذ ٢٥ يناير ولعدة سنوات من حرائق يجب ان يدفع باتجاه قرار لاعادة فتح ملف حريق الاوبرا، وهل كان عربونا لمصالحة ما؟ أو اعلانا عن بدء صفحة سوداء من العنف والتطرف واستهداف رموز الفن والثقافة؟
ثمة جرائم لا تموت مع الزمن.

ومضات

لايعني الصمت -دائماً- الخوف أوالهرب، ربما يعكس النُبل والترفع.
ابشع من عشوائية تحيط بك، عشوائية تعشش داخلك، تحديداً في رأسك!
اسوأ أنواع الكتابة، ما يُسطر لملء الفراغ، إذ تفضح صاحبها بلارحمة.
تشغل الدنيا لأنك رائع جداً، أو سيئ للغاية!
قوة الحقائق -وحدها- لاتضمن وصول الحقوق للضعيف.
من الجمال الغامض، ينساب الغموض الجميل!
البعض يطلق عواطفه، وكأنها عواصف!
في غياب الوئام ينشط اللئام.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار