العربية تنهار.. بينما العبرية بعثت بعد موت

رفعت رشاد
7/11/2018 8:37:54 PM  
 571 

يوميات الأخبار

»المحجزاتي»‬ موجود في كل زمان ومكان ، يحرمك من تحقيق خطوة مهمة في حياتك ويعطلك عن الوصول إلي أهدافك. والنصيحة أن تركله بلا رحمة ركلة قوية تطيح به عن طريقك.
نحن قوم كاذبون. ندعي اعتزازنا وافتخارنا بهويتنا ، لكننا كاذبون. ليس فردا أقصد أو حتي حكومة أعني ، وإنما نحن العرب كاذبون. نري - كالغريق - لغتنا ، لغة القرآن ، هويتنا ، تاريخنا ، حضارتنا تنهار ولا نفعل شيئا ، بل نحن الفاعلون ، نحن سبب هذا الانهيار ، فرطنا فيها بعدما تغنينا بها ونظمنا في حسنها القصائد ، وهذا لا جديد علينا ، فالشعر صنعة العرب بمعلقاتهم ومديحهم وهجوهم علي حكامهم. لا جديد أن يبدعوا في وصف لغتهم. كل العرب يتكلمون العربية ، وكل المسلمين يتكلمون العربية علي الأقل خلال قراءتهم القرآن.
اقرأ هذه الفقرة كحوار دار بين شخصين صارت اللغة بينهما هجينا بين العربية والإنجليزية وهو أمر انتشر خاصة في أوساط رجال الأعمال وطلبة الجامعات الأجنبية وحتي بعض الشباب الذي قد يجيد بعضا من لغة أخري غير العربية. »‬ يتحادث الاثنان عن موضوع يشتركان في إعداده وعرضه ، ربما علي آخرين. الأول : عملت إيه في الموضوع ، جهزته ؟. الثاني : الحقيقة لسة، عاوز »‬ أترجته» وبعدين »‬أسرررش» عليه في جوجل. الأول: طب إيه »‬الكونسيبت» اللي ها تشتغل عليه ؟. الثاني : احنا »‬هانفوكس» علي شوية »‬بوينتس» أساسية و»‬نكفيرها» كويس علشان »‬البريزينتاشن» اللي ها نحضره. الأول : طب خليني الأول أعمل »‬لوك» علي اللي ها تعمله وإذا »‬ وي أجريمنت» ها »‬ نشيره»»‬ لبقية »‬الجروب». الثاني : بعدما نشيره أنت ها »‬تبرنته» وتعمل عليه »‬استامبات» علشان »‬البريزينتاشن» !
وربما تدور حوارات أخري من هذا النوع يوميا بكلمات أقل ، فمستخدمي فيس بوك صاروا لا يستخدمون كلمة »‬ إعجاب».. إنما يستخدمون كلمة »‬ لايك »‬.. ولا يستخدمون »‬ مشاركة.. إنما »‬شير».. ولا يستخدم متابع.. وإنما »‬ فولور »‬ ولا يستخدمون كلمة معجبين.. إنما »‬ فانس »‬.. وهكذا يكون التعامل في فيس بوك وبالطبع في الجامعات الأجنبية وما أكثرها في مصر صار التعامل باللغة الأجنبية أمرا طبيعيا بين شباب تتركز ثقافتهم وتعليمهم في تلك اللغة. ولنا أن نتخيل أن هناك جامعة أمريكية وأخري بريطانية ، وثالثة ألمانية ، ورابعة كندية ، وواحدة روسية ، ومثلها فرنسية.. إلخ ولنري كم طالبا يمكن أن يلتحق بكل هذه الجامعات علي مدي عشرة أعوام مثلا. سنجد أن شريحة كبيرة من شبابنا كل تخرجت في جامعتها وتحمل ثقافتها ومطلوب من كل هؤلاء أن يشاركوا في قيادة الوطن !
ألا يمكن لخليط الثقافات هذا أن يضر باللغة وبالمجتمع كما كنا في القرن قبل الماضي وبدايات القرن العشرين عندما كانت مصر تزدحم بالجاليات الأجنبية ؟. ولو تركنا الشباب جانبا ، فهل وعت الدولة ممثلة في الحكومة والجهات الحارسة لهويتنا ما تفعله بنا الإعلانات في وسائل الإعلام ؟. تحاصرنا الإعلانات المنطوقة والمكتوبة باللغات الأجنبية وكأنها تسوق لأجانب فقط ، أو ربما هي مؤامرة لتغريب العقل والوعي المصري بحصاره بلغات وعبارات يرددها بدون وعي.
قانون الوحدة لحماية اللغة
إن اللغة العربية هي لغة الدولة. وفي عام 1958 بعد الوحدة العربية في مصر وسوريا صدر قانون حماية اللغة العربية الذي نص علي أن تكون المخاطبات ولافتات المحلات وأسماء الشركات وغير ذلك باللغة العربية. ويوجد في مصر مجمع اللغة العربية الذي يفترض فيه حماية اللغة ومراقبة علي سلامتها ، وكان للمجمع دور في تعريب كلمات أجنبية وإن فشل في إيجاد مرادفات لكلمات أخري مثل التليفزيون والأتوبيس والراديو وغيرها فطغت الكلمات الأجنبية وسيطرت ، فلا أحد يقول التلفاز كما اقترح المجمع اللغوي أو المذياع أو الحافلة أو العقل الإلكتروني كما أطلق علي الكمبيوتر في بداية انتشاره ، وهو ما يدل علي عدم فاعلية المجمع الذي يتم اختيار أعضائه بنسبة كبيرة منهم بحكم مواقعهم الوظيفية وآخرين بالمجاملة لأننا لم نسمع لهم في السنوات الماضية صوتا يحذر من ضياع اللغة بينما هم يرون أن لافتات المحلات ولغة القنوات الفضائية والصحافة والشباب تأخذ بتلابيب لغة القرآن إلي الهاوية.
إحياء اللغة العبرية
يحدث ذلك للغة القرآن ، بينما نجح اليهود في القرن التاسع عشر في إحياء اللغة العبرية التي ماتت منذ ما يقرب من ألفي عام وهو نجاح يضاف إلي ما حققته إسرائيل من خطط نفذتها بدقة. كان اليهود المتفرقون في دول العالم يتكلمون حوالي مائة لغة ، كل في البلد الذي يعيش فيه. كان في الطليعة ممن بذلوا الجهود لإحياء العبرية ، يهودي روسي أطلق علي نفسه اسم بن يهودا وذهب ليعيش في القدس بفلسطين مؤمنا بأن إحياء العبرية سيوحد اليهود ويساعد علي قيام الدولة اليهودية وكان يرفض الحديث في بيته بغير العبرية وأصدر ورفيق له قاموسا للغة العبرية أدخل فيه كلمات حديثة عن الأطعمة وشئون الحياة اليومية. وقد حرصت الحركة الصهيوينة منذ بدايتها علي إحياء لغتهم التي ماتت ورفضوا التعامل بأي لغات أخري حتي تنتعش العبرية وتعود مرة أخري وهو ما حدث بالفعل. وكرست العقيدة الصهيونية جهودها لتدعيم اللغة العبرية عبر اهتمامها بتشجيع كتابة الدب العبري والترجمة من العبرية إلي لغات أخري والعكس ونشرها عبر التعليم وإنشاء مسرح ينشر الثقافة بلغة اليهود وهو ما ساهم في إنشاء الدولة اليهودية. ورسخت الشخصية الصهيونية اللغة ، لا الدين باعتبارها هوية وثقافة قومية فأصبحت العبرية مرادفا للهوية اليهودية تستمر باستمرارها ، وتشترط إسرائيل إجادة العبرية للهجرة إليها.
المحجزاتي
بحثت عن كلمة تصف الشخص الذي سأتحدث عنه فلم تسعفني اللغة ، لكن سأعتمد علي الشرح وضرب الأمثال. المحجزاتي هو الشخص الذي يحول بينك وتحقيق خططك أو أهدافك أو تأجيل خطواتك في الحياة أو إهدارها عليك. هو الشخص الذي إذا علم أنك مقبل علي خطوة ما يسارع فيعلن قبلك عن نيته في اتخاذه تلك الخطوة. فتجد صديقين ينوي أحدهما خطبة فتاة فيسارع الآخر ويصطحب أهله لخطبتها وغالبا يفسخ الخطوبة بعد فترة ، لكنه يكون قد أفسد العلاقة بين صديقه ومن كان ينوي خطبتها ، ألا يحدث مثل هذا ؟ يحدث كثيرا. المحجزاتي شخص لا يهتم بغير نفسه ، فربما يعلن صديق لصديقه أنه ينوي الترشح في الانتخابات لموقع ما ، فيسارع الصديق المحجزاتي مبادرا بالترشيح قبل صديقه وبالتالي يغلق عليه سبل الترشح ، وربما يعود المحجزاتي ويلغي ترشحه لكنه يكون قد قضي علي فرص صديقه في الترشح. حدث هذا الأمر معي شخصيا ، فمنذ سنوات كنت أنوي الترشح في انتخابات ما. وبادر زميل وطرح نفسه مبكرا للترشح في نفس الموقع ، ولم يكن من الممكن تحقيق الفوز لأي منا إذا ترشحنا معا ، فقررت تأجيل ترشيحي وانتظار ما سيسفر عنه ترشيحه. في الوقت الأخير تراجع الزميل ولم يرشح نفسه. والنتيجة أنه شخصيا لم يحقق فائدة ، لكنه (حجَز) عليَّ وعلي آخرين لكي لا يخوضوا الانتخابات وبالتالي إفساح الفرصة لمن كان يتفق معه علي المصالح. الخلاصة ، هناك في الحياة من يحجّز عليك ليفوت عليك فرصة له أو لصالح آخر. قد يحدث هذا بصورة مبسطة في الطريق ، خلال قيادة سيارتك في الناحية اليسري السريعة قد تجد أمامك شخصا يقود ببطء فيعطلك وعندما تحاول الانحراف يمينا للإسراع تجد آخر يسير الهوينا فتمنع من السير حسبما تريد أو تخطط وقد يكون في نفس هذا الوضع سيارة إسعاف أو أنك شخصيا في عجالة ، لكنك تتعطل بالفعل وربما تصير الإشارة حمراء لمجرد أن المحجزاتي حال دونك ودون العبور قبل احمرارها وربما يكون هو قد نجح في العبور قبل غلق المرور. مثل هذا الشخص المحجزاتي موجود في كل زمان ومكان ، يحرمك من تحقيق خطوة مهمة في حياتك ويعطلك عن الوصول إلي أهدافك. والنصيحة أن تركل مثل هذا الشخص بلا رحمة ركلة قوية تبعده عن طريقك.
عم فايز وأستاذ جميل
لا ينسي أبناء جيلي من صحفيي جريدة الأخبار عم فايز بقطر رحمه الله رحمة واسعة والأستاذ جميل جورج أمد الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية. كانوا ثلاثة أصدقاء متقاربين هم أساتذتي فايز بقطر وجميل جورج وجلال السيد. يجتمعون في مكتب أحدهم ينسجون ذكريات طيبة وعلاقات ودودة. لا تفرقهم المصالح الشخصية أو الأطماع الإنسانية. جلال وجميل من أبناء شبرا ، كنت أنصت إليهم كأحد أبناء بيئتهم المشتركة ، أبناء منطقة واحدة. عم فايز الطيب من أبناء قنا وهذا بالنسبة لي أرضية مشتركة فهو صعيدي من (جبلي) وهذا كان يصنع بيننا أرضية مشتركة. وكنت أنصت لهم فأعيش معهم ذكريات عن الصحافة والمؤسسة وأعرف منهم التاريخ غير المدون للجريدة والمقالب التي كانت تدبر بينهم في صالة التحرير. احتضانهم لي ولغيري من الزملاء كان سمة من سماتهم الشخصية وطبع من طباعهم الأصيلة. لم يبخلوا برأي أو نصيحة. لم يقصروا في تعليمنا وتوجيهنا. تمسكوا بمهنتهم وبذلوا الجهد للتجويد وسط جيل كانت الصحافة له رسالة وليست مهنة من لا مهنة له أو وسيلة للارتزاق السهل بطرق غير أخلاقية.
لا تمر مناسبة حتي وقتنا الحالي إلا وأجد أستاذي جميل جورج يبادر فيتصل بي للتهنئة بالعيد أو بأي مناسبة أخري. وبقدر ما يمكنني أتصل به وأتواصل معه. كذلك الأستاذ جلال السيد الذي يجلجل صوته في التليفون عندما أتصل به. أما عم فايز فكان أبا حنونا كنت أتمني أن يطلب مني شيئا أو يكلفني بأمر ما ففضله عليّ كبير. أدعو الله أن يرحمه ويغفر له. تأكدوا أساتذتي أن فضلكم علينا لا ينسي، علمتمونا واحتضنتمونا ، جزاكم الله خيرا كثيرا.
منال سالم
أكثر الخدمات التي نحتاج لإنجازها لمساعدة غير القادرين عليه تكون غالبا في مجالي الصحة والتعليم. وفي الفترة الأخيرة طلبت من زملائي القائمين علي تغطية أخبار وزارة الصحة أن يساعدوني في حل بعض مشاكل الناس ، فوجدتهم بلا استثناء يتصلون بشخصية نسائية اسمها منال سالم. المسئول الإعلامي بالوزارة. وللحقيقة وجدتها متعاونة إلي درجة كبيرة فهي تحصل علي بيانات المخدوم ورقم هاتفه وتطلب من طالب الخدمة أن يعطي المواطن تليفونها ليتواصل معها ، كل ذلك حتي تنجز الخدمة. ومنذ أيام طلبت منها خدمة لمواطنة تعرضت لمشكلة صحية في محطة المترو ، وطلبت منال سالم بيانات سيدة المترو وبعد أيام وجدتها ترسل لي تفاصيل علاجها.
إذا كنا نهاجم المسئولين عن الإعلام بالوزارات والمصالح الحكومية لتقصير فيهم أو تقاعس أو تكبر فلا بد أن نشكر من يقوم بعمله بجد خاصة في هذا المجال الحيوي الذي يحتاجه كل الناس.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار