خطة عمل للآخرة

يوميات الاخبار

كثيرة هي المحطات التي تدفع الانسان لتقييم مسيرة حياته، وفِي مقدمتها حدثان، الاول التقدم في السن، بعد مرحلة الصراع حول المال والمناصب، والثاني المرض.

 الأحد:
الحمد لله علي نعمة الاسلام وكفي بها نعمة.. في الآونة الاخيرة تعددت الأسباب التي دفعتني إلي إلقاء نظرة علي سنوات عمري الماضية بكل ما فيها بحلوها وبمرها، باخفاقاتها ونجاحاتها، بأيام السعادة وسنوات التحدي وحمدت الله، فقد عشتها متصالحا مع نفسي ومع الناس، فقد أديت واجبي تجاه ابنائي وأسرتي، حرصت علي نشأتهم في بيئة صالحة، اهتممت بعملي بقدر ما استطعت، لم اقصر في مهمة او تكليف، لم أسع إلي منصب لا أستحقه، او ميزة ليست لي، سعيت إلي الخير بقدر طاقتي، لم أؤذِ أحدا، تحريت الرزق الحلال، عبدت الله مخلصا، بقدر مايسره الله، وفِي ظل هذه المرحلة اختلفت الاولويات وتغيرت الاهداف، وتباينت الأماني، وهذا واضح تماما من دعائنا، ففي الشباب تتركز علي النجاح في العمل، وصلاح الأولاد، وسعة الرزق، اما في مراحل الانسان العمرية المتأخرة فنصبح امام أدعية الاستغفار، والعتق من النار، وحسن الخاتمة، وان يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة ولا يجعلها حفرة من حفر النار، والامر هنا طبيعي، ويتوافق مع فلسفة الحياة الدنيا كما أرادها الله، وتتلخص في مهمتين: عمارة الارض لعباده عندما قال تعالي: ﴿ُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، كما قال تعالي »وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون»‬ صورة الذاريات.. وفِي مراحل العمر المتأخرة، تتراجع المهمة الاولي، وهي عمارة الارض، باعتبارها مرتبطة بالقدرة علي العمل، لتتقدم المهمة الجديدة، وهي عبادة الله حق عبادته، ولعلها فرصة لاكتشاف النفس، من خلال التركيز علي سنَن قد تكون غابت في ظل ظروف الحياة، وانشغال البشر، وهي كثيرة ومتعددة، وهذه نماذج محدودة اذكر بها نفسي اولا، وأذكرك بها أيها القارئ العزيز.
فهل جربت مثلا وداومت علي سنة قيام الليل، حيث وعد الله -تعالي- الذين يقومون الليل بالأجر العظيم الذي لا يعلمه إلّا الله، حيث قال: (تَتَجَافَي جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، جعل الله -تعالي- قيام الليل علامة للمتّقين ودليلاً علي صلاح الإنسان وتقواه، قال الله تعالي: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ* كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ). أخبر الرّسول -صلّي الله عليه وسلّم- أنّ صلاة الليل أفضل الصّلاة بعد الفرائض، حيث قال: (أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ الفريضةِ، قيامُ اللَّيلِ)..
وهل داومت -عزيزي القارئ- علي الدعاء لله وله فضل كبير حيث قال تعالي: »‬ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» [غافر:60]، وقال: »‬وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» [البقرة:186]، وقال : [الدعاء هو العبادة]، وقال الرسول الكريم: {ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدي ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها].
وهل جربت - عزيزي المسلم - المداومة علي قراءة القرآن الكريم في ورد يومي بغض النظر عن الكمية، فخير الاعمال ادومها وان قل، وانتظام المسلم بتلاوة القرآن الكريم بشكل يومي يترتب عليه آثار عظيمة النفع علي المسلم، نفسيَّة وجسديَّة، ونيل رضا الله وتوفيقه له في شئون الدنيا، يجده بركة في الرزق، ونجاة من المكروه. الفوز بالجنَّة يوم القيامة، حيث يأتي القرآن الكريم يوم القيامة يحاجّ عن صاحبه الذي كان يقرؤه، شفيعاً له.
ومن خطة عمل الآخرة الدوام علي قراءة سورة الملك يوميا قبل النوم، وهي تُعرَفُ بأنّها المنجّية من عذاب القبر والمانعة عنه، وهي السورة الأولي من جزء تبارك الجزءِ التاسع والعشرين، ولا تستغرق قراءتها ثلاث دقائق، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنّه قال: (مَن قرأ تبارك الذي بيده الملك كلَّ ليلة منعَه اللهُ بها من عذاب القبر).
ومن بنود خطة عمل الآخرة، الحرص يوميا علي أذكار الصباح والمساء، وهي لا تتجاوز ثلث الساعة مرتين في الْيَوْمَ، بعد صلاة الفجر وبعد العصر، وهي من أهم الأذكار التي ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها، وفضلها كبيرة وفِي مقدمتها انها تعتبر حصن المسلم.
الحوار القنبلة.. الذي لم ينشر
الاثنين:
كثيرة هي الذكريات التي يمتلكها الصحفي، مهام عديدة مهمة قام بها، وشخصيات في دائرة الضوء التقاها، ومن دفتر ذكرياتي أتوقف عند شخصية فريدة اقتربت منها في السنوات الاخيرة، ومهمة تغطية مشاركة القوات المصرية في حرب تحرير الكويت، التي اقتربت من عامها الـ٢٨، اما الشخصية فهي عن الامير الذي حمل لواء الإصلاح في المملكة العربية السعودية منذ ستينيات القرن الماضي، أتكلم عن الأمير طلال بن عبدالعزيز، الذي اتخذ لنفسه طريقا مختلفا تماما لكل أفراد الاسرة الحاكمة، والتي تسير في اتجاهين، الاول الانخراط في العمل التنفيذي، والآخر الذين أبدعوا في مجال الاعمال والاموال والاستثمار، وأبرزهم في هذا المجال الوليد ابن الامير طلال، اما الامير طلال فقد جرب العمل التنفيذي، حيث تولي وزارة المواصلات، ولكنه ابتعد منذ ستينيات القرن الماضي عن السلطة، ولم يغره العمل في »‬البيزنس»، وانحاز إلي العمل التنموي والتعليمي علي مستوي العالم، حيث قام في عام ١٩٨٠ بتأسيس برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية، وذلك بغرض دعم جهود التنمية البشرية المستدامة في دول العالم النامية.
`وقد اتاحت لي الظروف الاقتراب منه في السنوات الاخيرة، حيث كنت دائما مدعوًّا لمجالسه التي يحرص علي عقدها في زيارته للقاهرة، وهي متعددة خلال العام، والتي تضم نخبا سياسية وفكرية واعلامية، حيث تكتشف بسهولة أفكاره المنفتحة، ومبادئه التي تسعي لخير البشرية وعلاج مشاكلها من الجذور، خاصة قضايا التعليم والفقر وتمكين المرأة، كان منحازا تماما لمشروع الإصلاح في السعودية.
وفِي احد ايام ٢٠١١ طلبت منه حوارا للنشر في »‬الأخبار» فوافق علي الفور، وهو يدرك قيمة الصحافة المصرية، واتفقنا علي الموعد في الفيلا التي يقيم بها في مصر الجديدة، تناول الحديث ثورات الربيع العربي، ولم يخف تأييده لها، علي اعتبار انها تمثل إرادة الشعوب ورغبتها في التغيير، وتناول الحوار أيضا الوضع في المملكة، فكان كثير الاعتزاز بتجربة الملك عبدالله في حكم المملكة في ذلك الوقت، وقال »‬لي طلب واحد رغم ثقتي في قدراتك الصحفية، وأمَّنتك في الخروج بالحوار علي الوجه الأكمل، فهل تقبل ان ألقي عليه نظرة أخيرة قبل النشر؟» ابتسمت، وقلت له: »‬رغم انني لم افعلها مع احد من مصادري من قبل، الا انه احتراما لرغبتك وما تمثله لي شخصيا من قيمة وقامة، سأفعل ولعلها المرة الاولي والاخيرة»، ذهبت اليه للمرة الثانية فلم يغير فيه شيئا، ولكن كلمة مني كانت سببا في إعادة تفكيره، حيث قلت له: الحوار »‬قنبلة» وقد تتم مصادرة العدد في عدد من الدول العربية.. ابتسم ولم يعلق، وخرجت من منزله وانا سعيد، وفِي الطريق أرسلت الحوار إلي الاستاذ ياسر رزق رئيس التحرير في ذلك الوقت، الذي قرر نشره في الْيَوْم التالي مباشرة، وقبل الطبع، وحوالي الثالثة مساء، جاءني صوته علي الهاتف: »‬هل يمكنك تأجيل نشر الحوار؟» قلت له ان الامر صعب والجريدة في مراحل طباعتها النهائية، وسألت عن السبب قال لي: »‬كلامك عن مصادرة الصحيفة يستلزم التأني في النشر» وأتذكر انني اتصلت علي الفور بالأستاذ ياسر رزق وحكيت له كل ما دار مع الامير طلال، وطلبه فتفهم الامر وأمر برفعه من الماكيت بعد تنفيذه، وهكذا ضاع مني »‬حديث قنبلة» ولكن اخلاقيات المهنة فوق كل اعتبار، فالعلاقة الصحيحة مع المصادر لا تسير بمنطق »‬اخطف واجري»، بل قائمة علي الاحترام والامانة.
أبواب جهنم
الثلاثاء:
اما المهمة فقد بدأت في ليلة ١٥ يناير ١٩٩١، كنّا مجموعة من المحررين العسكريين للصحف والمجلات المصرية، يتقدمهم المرحوم فاروق الشاذلي عميد المحررين، والمرحوم جمال كمال من الجمهورية، وعادل عبدالعزيز من وكالة أنباء الشرق الأوسط، متعه الله بالصحة والعافية، وجمال حسين من روزاليوسف، وانا مع عدد من أفراد قواتنا المسلحة، علي متن احدي الطائرات السعودية في طريقنا إلي قاعدة الملك خالد الجوية في منطقة حفر الباطن، لتغطية عمليات عاصفة الصحراء، او تحرير الكويت من الغزو العراقي، لرصد دور القوات المسلحة المصرية في العمليات.
موعد العمليات لم يكن مفاجأة، فهو محدد بقرار من مجلس الأمن، الذي أعطي مهلة للعراق للانسحاب من الكويت، مر يوم ١٥ يناير ككل الأيام، فالكل في حالة ترقب، يتخوف من »‬أبواب جهنم»، التي شارفت علي الفتح امام المنطقة وليس العراق وحدها، ذهبنا في الْيَوْم الاول إلي وحدات الصاعقة المصرية، والتي لا تبعد مواقعها عن الحدود السعودية الكويتية بـ٧٠ كيلو، حركة نشطة علي الطريق لنقل المعدات والذخائر، الروح المعنوية لقوات الصاعقة المصرية في السماء، في ظل تدريب علي المهمة، بالتعاون والتنسيق والتدريب المشترك مع قوات التحالف.
وفِي الليلة التالية، وكانت الخميس، وبعد منتصف الليل، دوت صافرات الانذار في كل ارجاء القاعدة، إيذانا ببدء العمليات، وكانت هجوما جويا علي بغداد، واهداف محددة سلفا، في مدن عراقية مختلفة، وبعد اتصالات مع قائد القوات المصرية في السعودية هناك اللواء صلاح حلبي، الذي تولي بعد ذلك قيادة أركان القوات المصرية، عرفنا ان برنامج زيارتنا إلي الفرقة الثالثة مشاة ميكانيكي كما هو، لم يتغير، رغم بدء العمليات، وقال لنا قائد الفرقة: »‬الْيَوْمَ الكلمة للعمليات الجوية، ومهمتنا مقصورة علي حمايتها اثناء دخولها إلي الكويت وعودتها.
وفِي الْيَوْم التالي، وكان الجمعة، كان علينا زيارة الفرقة الرابعة المصرية، حيث بدت ملامح الاستعداد مبكرا للمعركة البرية، من خلال حركة نشطة لمئات الدبابات والعربات المدرعة والمدافع ومن جنسيات مختلفة، تظهر علي الطريق باتجاه المواقع الامامية علي الحدود الكويتية السعودية، رحب بِنَا رئيس أركان الفرقة، نظرا لوجود قائدها العميد علي نبيل الرشيدي في اجتماع مهم مع اللواء صلاح حلبي، وعندما كنت اتحدث مع أفراد طاقم احدي الدبابات ام ٦٠ المصرية، ارتفعت في أنحاء المكان صيحة »‬غاز. غاز»، ارتبكت ولم اعرف كيف أرتدي القناع الواقي من الغازات، فساعدني أفراد الطاقم، رغبة ملحة في العود إلي مقر قيادة الفرقة، وفقا لاعتقاد ساذج بأنها قد تكون المكان الأكثر أمنا من الهجوم الكيماوي، وهو لا يبعد كثيرا وهناك كانت المفاجأة، ان الامر لا يعدو ان يكون تدريبا عمليا للأفراد علي كيفية التعامل مع أي هجوم. 


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار