الأسماء والحجاب النفسي

د. مبروك عطية
4/12/2018 7:44:26 PM  
 358 

يوميات الأخبار

 التفتت الي وصيفتها التي قالت لها تلك المقولة فأفزعتها، وقالت لها: والله مثل هؤلاء الذين يخرون ساجدين لربهم لا يقتلونني


من مفتش إلي موجه

السبت:


من محاسن وزارة التربية والتعليم أن غيرت اسم مفتش الي موجه، فبمجرد إطلاق لفظ مفتش يثار الرعب في نفوس المدرسين، إذ يشعرون بحركة التفتيش، والاجتهاد في العثور علي مواطن القصور لدي المدرس في دفتر إعداده، وإلقاء درسه، ومستوي تلاميذه، ومؤاخذته عليها بكتابة تقرير أسود يحول دون ترقيه، وسفره معارا الي احدي الدول الخليجية، حلم عمره، وحلم أهله، لاسيما أنسابه الذين ربما من أجل هذا الحلم زوجوه ابنتهم، ليبني لها بيتا بالمسلح، ويغطيها بالبطاطين الناعمة، ويلبسها الحرير ويحليها بالذهب المنقوش بنقش العروبة المبدع الذي تخلو من مثله أسواق الصاغة في بلادنا، ويركبها سيارة ملاكي، وهي التي تربت علي فلكلور: تاكسي ملاكي ما أحطش رجلي، والمهام التي يقوم بها السيد المفتش هي عينها المهام التي يقوم بها سيادته وقد صار اسمه موجها، لكن كلمة موجه توحي بالرفق، وروح الأبوة، وأنه جاء ليأخذ بيده الي المستوي الأعلي المرجو منه، لا ليكون سببا في تعطيله، وحرمانه من السفر في إعارة.

وكما يقول أهلونا أحمد زي الحاج أحمد، لكنها المعالجة لحجاب نفسي، كمعالجة الدواء بطلاء خارجي من السكر الذي يحجب الخوف من مرارته، حتي ينزل بها الي الجوف، ويمارس مهامه فيشفي المريض بإذن الله، وكما تعالج المادة المطبوخة قبل تقديمها بالهناء والشفاء للآكلين بزينة عرض تأخذ بالأعين، ، فتشبع لشبعها البطون.

وقد قال أهلونا من قديم: الشبع بالعين، أي أن العين تشبع أولا برؤية الطعام الشهي الكثير المعروض، وقد حكي لي أحد حكماء الزمان أنه دعي الي مأدبة إفطار في رمضان، وقدم له من دعاه وجبة مقتصدة جدا مع كونها غذائية لم تفقد عنصرا من العناصر المطلوبة، لغذاء الانسان لاسيما الصائم، فصد بذلك نفسه، وسدها، قال لي: لقد جاء بأربعين جراما من اللحم، وخمسين حبة تقريبا من الفاصوليا، وأربع ملاعق من الأرز في وسط طبق كبير فبدت فيه كالغريب في وسط الصحراء، وصاحبي هذا يعلم انه لن يزيد عن هذا القدر الذي جاء به الداعي لو دعي الي بوفيه مفتوح، فيه أكوام من اللحوم، والأرز، والمحاشي والسلطات بأنواعها الكثيرة المختلفة، أو حتي دعي الي طبلية رجل كريم من أهالينا بالريف، وعليها طاجن الأرز المعمر وثلاثة اطباق من الفاصوليا وطبقان من الملوخية، وحلة محشي الكرنب، وفرختان محمرتان، ودكر بط مكتف، لكن رؤية هذه الالوان،وكثرة الملون بها تكسب العين شبعا، وشهية، فتشبع البطن، وأنت قد تتناول كوب الماء المملوء حتي آخره، ولا تشرب منه إلا قليلا، وتضعه أمامك، وقد رويت، بخلاف ما لو وجدت القدر الذي شربته في الكوب وبقية الكوب فارغ، فتشعر لأول وهلة أن هذا القدر من الماء هو آخر ماء في الدنيا، أو أن الذي جاءك بهذا الكوب علي هذه الهيئة لا يقدرك حق قدرك، وقد يكون من أولئك الفلاسفة الكذابين الذي لو قلت له: أما وجدت ماء سوي تلك القطرات، أجابك، اشربهم أنت بس وأنا أجيب لك تاني، عندئذ يضع في حلقك غصة، ويسكب في جوفك أسي.

نسمي أبناءنا لأعدائنا

الأحد:


أثر عن العرب من قبل الإسلام قولهم: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا، ومن أسمائهم حرب، وصخر، وأسد، والليث، والعاص، والسهمي، وحيدرة، ومرة، وحنظلة، فإذا علم العدو أنه سيلقي صخرا وحربا، والعاص أرخت عليه هذه الاسماء حجبا نفسية، توحي إليه بأنه لا طاقة له بهؤلاء الضياغم الفتاكين، وقد يكون من هذه الاسماء من هو جبان عند اللقاء، فاسمه أسد ومعناه، هرة، لكن ذلك بمثابة التعزي الذي يجتهد فيه من فكر فيه ليزيح شيئا من هذه الحجب، لكن لا يتبادر الي الأذهان غير مطابقة الاسم للمسمي، وقد جري علي بن أبي طالب هذا المجري فسمي أول مولود له من الفضلي الزهراء بنت سيدنا النبي صلي الله عليه وسلم حربا، فلما تلقاه جده المصطفي سأل عليا: بم سميتموه؟ فقال علي: هو حرب، فقال صلي الله عليه وسلم: لا بل هو الحسن، وكان سيدنا الحسن رضي الله عنه، وحين رزق المولود الثاني، تلقاه جده صلي الله عليه وسلم، وسأل أباه عليًّا السؤال نفسه، بم سميتموه؟ فقال رضي الله عنه: هو حرب، فقال عليه الصلاة والسلام: لا بل هو الحسين وكان الحسين رضي الله عنه، رواه البخاري في الأدب المفرد، ولو أراد باحث ان يثبت للدنيا أن الإسلام ليس بذي شهوة للحرب والقتال من هذين الموقفين لما جانبه الصواب، فما عدنا نسمي أبناءنا لأعدائنا، لأننا بعثنا مبشرين لا منفرين، وأمرنا ان نكون ميسرين لا معسرين، ومن كانت هذه رسالته في الحياة فلا يسمي اسما لولده كي يثير الرعب في نفس أحد من خلق الله، إنما يبعث في نفوس الناس جميعا الأمل والتفاؤل، والاستبشار، ونحن ننادي للصلاة لا للقتال، ونقول كل يوم بصوت مؤذننا الحسن الندي الجميل حي علي الصلاة، حي علي الفلاح، بهذا الترتيب، فالفلاح عندنا لمن جاء ملبيا طاهرا غير ملوث بدم، كي يستقبل قبلتنا، ويكبر ربه حامدا إياه، سائلا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من الصالحين، ولن يكونوا من المنعم عليهم هم في ميدان القتال، وإنما يتسابقون في ميادين الزراعة، وغرس البساتين، ليأكل الناس والحيوان، والطير الذي قد يكون مهاجرا من اقصي الارض، إلينا أو تاركا ارضنا الي أرض أخري رأي فيها الخير لنفسه، وفي الطريق، وقبل أن يودعنا ينعطف علي ثمرة غرسنا اصلها بعرقنا وجهدنا، فيطعمها خالصة سائغة بلا منغص، ونقول له بألف هنا يا طيرنا المهاجر، فإن اتخذ من أشجارنا وكرا جديدا وصرف النظر عن الهجرة رحبنا به، وسعدنا بعدوله عن قراره، ومنحناه آذاننا ليصب فيها نغمه، وقلوبنا ليمنحنا فيها طربا، ولن نضع أمامه العراقيل كي يعود الي ثمارنا متي شاء من ليل، أو نهار، وما شوهد رسول الإسلام صلي الله عليه وسلم سعيدا قدر ما شوهد يوم بستان رآه وارف الظلام، ووجد عنده عجوزا سألها: من غرس هذا البستان مسلم أم غير مسلم؟ فلما قالت له: مسلم افتر وجهه، وبدا كفلقة القمر ليلة التمام، رواه البخاري.

الظن من الحجب النفسية

الأثنين:


والظن كذلك من الحجب النفسية إذا كان ظن سوء، جاء رجل الي النبي صلي الله عليه وسلم - يظنه ملكا من الملوك، ويبدو أن كلمة ملك عنده لم تكن توحي بغير البطش والعدوان، من اولئك الذين قال الله فيهم »إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة»‬ فارتعد، وكاد يقع مغشيا عليه من الهيبة، فقال له سيدنا النبي صلي الله عليه وسلم: هون عليك فلست ملكا، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة، والقديد اللحم المجفف الذي يعرفه أمثاله، أي أنا رجل مثلك، وأمي مثل أمك تأكل هذا الصنف المعروف من الطعام الذي تأكلونه، وأتي له صلي الله عليه وسلم بالجذور والأصل، وحيث الأصل تسعي الملحقات، ولا شك أن من تذكر أمه علي هذا الوجه حتي لو صار ملكا؛ فلن يكون ملكا ظالما وإنما يكون الملك ظالما إذا تجاهل جذوره، وتناسي أصله وفصله، ونسب أبويه أحدهما أو كليهما إلي ملك السماء، لا إلي طين الارض، وبهذه العبارة التي قالها المصطفي صلي الله عليه وسلم للرجل الذي ثارت نفسه هدَّأ من روعه، وأزاح عنه سبح الحجب النفسية التي قد تنصب من جراء الوهم بأن هذه المقابلة لن تسفر عن خير، وقد أسفرت عن الخير كله، حيث عاد أمثال هذا الرجل الي أقوامهم مبينين لهم أثر اللقاء، فكان الواحد منهم يقول لقومه بعد أن رجع اليهم وقد لقي رسول الله صلي الله عليه وسلم: جئتكم من عند خير الناس. وقال أحدهم لقومه عند عودته: جئتكم من عند رجل ينفق، ولا يخشي الفقر. وكل ذلك بمثابة الإعلام الصادق الذي ينشر الحقائق عن سيد الخلائق، فيكشف الحجب النفسية عن نواظر لم تشهد جماله، وعن قلوب لم تقترب منه حتي تخبره كما خبره الذين آذوه وهو منهم وآذوا أصحابه، فلما نصره الله تعالي عليهم، وفتح له الفتح المبين؛ وقفوا أمامه صاغرين فسألهم: ما تظنون أني فاعل بكم اليوم؟

فقالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وهؤلاء الذين خبروه، وقد لبث فيهم قبل البعثة أربعين سنة، لم تحجبهم عنه حجب  نفسية، حقيقية، وإنما افتروها لاقناع أنفسهم وغيرهم بأنه يريد أن يكون ملكا عليهم، مع أنهم صارحوه بذلك في أول البعثة، فقالوا: وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، فنفي ذلك وغيره، وقال: أنا رسول الله إليكم، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، فأبوا إلا اللجاجة والعناد، والحرب، والنزال، فلما جاء نصر الله والفتح لم ينسوا الحقيقة التي غطاها غبار فكرهم، وبغضهم للحق، فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم، فأطلق سراحهم، وآثر السلامة علي الانتقام، مع أنهم لم يعرفوا هذا الفيض الكريم من العفو، لكنها سنة الإسلام، العفو عند المقدرة، وقد دخل الناس في دين الله أفواجا ونزلت سورة النصر مزيحة كل حجاب نفسي لدي أي إنسان إلي يوم القيامة »‬إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا» وقد سئل عنها ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: ما أراها إلا نعي رسول الله صلي الله عليه وسلم بينما رأي الشيوخ في يوم سئل ما عليه ظاهرها ان التسبيح والاستغفار مطلوب إثر منَّ الله تعالي بالنصر علينا، وقد زكي عمر الفاروق توجيه ابن عباس »‬بأنه أفقه من الشيوخ في فقه الكتاب الكريم، أي أن رسالة رسول الله صلي الله عليه وسلم- قد تمت، وآن له بعد تمامها أن يلحق بالرفيق الأعلي، فما عند الله خير لرسوله من الدنيا، وما فيها، ومعني ذلك أن رسالة الإسلام إلي قيام الساعة رسالة سلام، لا رسالة فزع  ودعوة الي خيري الدنيا والآخرة، لا الي سفك الدماء، وإزهاق النفوس، وقطع الرقاب، وكأن كل مسلم حريص كل الحرص علي تبليغ هذه الرسالة وإزالة الحجب عن نفوس الناس، وليس كل الناس مثل بنت عظيم القبط التي أوصلها الفاتح عمرو بن العاص الي ابيها معززة مكرمة من بلبيس إلي الفسطاط وقد قيل لها: إن عمراً كان يعمل جزاراً في الجاهلية، وسوف يذبحها، فلما رأت الوفد المكلف بحراستها وصحبتها، من بلبيس إلي القاهرة قد توقف من أجل الصلاة، فلما رأتهم يصلون لا يركعون إلا اذا ركع إمامهم، ولا يسجدون إلا إذا سجد التفتت الي وصيفتها التي قالت لها تلك المقولة فأفزعتها، وقالت لها: والله مثل هؤلاء الذين يخرون ساجدين لربهم لا يقتلونني، فكثير من الناس لاسيما الذين عاشوا في زمان البعد عن القياس والاستنتاج في حاجة الي معرفة مباشرة صريحة بأن هذا الدين يذهب الروع عن كل خائف، قال تعالي »‬وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتي يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه».


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار