ذات الرداء الأسود

محمد رجب
5/13/2018 7:56:08 PM  
 1173 

يوميات الأخبار

ذاع صيت 'المعاون' الجديد في دائرة قسم الشرطة الذي انتقل إليه.. كان المواطنون الشرفاء وهم الأغلبية الكاسحة في الحي الشعبي العتيق هم الأكثر سعادة بالنجاح الذي حققه الضابط في ردع الخارجين عن القانون والمسجلين خطر والبلطجية الذين كانوا الأقلية التي تكاد لا تذكر.. ذات يوم جاء أحد أمناء الشرطة إلي الضابط يهمس في أذنيه بحديث الناس عن 'عفريت' امرأة يظهر فجرا في المقابر التابعة لدائرة القسم.. واندهش الضابط مما سمع وطلب من الأمين ألا ينجرف وراء الخرافات والأكاذيب لكن الأمين رفعت عاد يؤكد أن الناس شاهدوا 'عفريت الفجر' بعيونهم.. وأن 'العفريت' ليس سوي امرأة ترتدي الملابس السوداء وتتحرك في ظلمة الليل بين شواهد القبور قبل لحظات من أذان الفجر!..
وعاد الضابط ينهر الأمين لأنه مازال يردد الخرافة وكأنه مقتنع بها، وبعد أيام قليلة تلقي الضابط شكوي من بعض المواطنين بأن عددا من الشبان يتعاطون المخدرات داخل المقابر.. علي الفور تحرك الضابط ليلا مع رجاله وقاموا بتمشيط مدينة الموتي المطلة علي شارع صلاح سالم وتمكن من ضبط بعض المخالفات والمدمنين، وفي طريق عودته إلي القسم أضاء كشافات سيارة الشرطة فوقعت عيناه علي ذات الفستان الأسود وهي تتحرك بين الشواهد بينما كان الليل يلملم ظلامه ببطء ويستعد للرحيل.. يقرر الضابط أن يتجه بالسيارة نحو 'العفريت' المزعوم وقد أوشك أن يصبح حقيقة إلا أن ذات الفستان الأسود كانت قد اختفت!.. لم يعلق الضابط وعاد بسيارته والمتهمين إلي القسم وقد اتخذ في نفسه قرارا حاسما!
في الليلة التالية نزل الضابط ورجاله مرة أخري إلي المقابر بعد أن انتصف الليل.. ورغم تمشيط المنطقة من كل الاتجاهات وكشافات السيارة مضاءة إلا أن ذات الفستان الأسود لم تظهر!.. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من الرابعة صباحا حتي بدأت المفاجأة.. ها هي ذات الفستان الأسود تدخل 'حوش' مقبرة ثم تغلق الباب خلفها !
اندفع الضابط وطرق باب 'الحوش' وفتحت السيدة المجهولة ووجهها ممتلئ بالدموع.. وما أن شاهدت الضابط حتي أسرعت بإحضار حقيبة يدها ثم أخرجت بطاقتها الشخصية وقدمتها للضابط:
الاسم : فتحية. م. ن
تاريخ الميلاد : 24 أكتوبر 1950
الوظيفة : لا تعمل..
سألها الضابط عن سر وجودها في هذا الوقت الذي تخلو فيه المقابر من الزائرين.. وقالت السيدة !
• زوجي هنا.. منذ عام كنت أقف في هذا المكان حينما انزلوه أمام عيني في قلب هذا القبر.. عشت معه ثلاثين عاما في الجنة.. لم يخطئ أحدنا في حق الآخر يوما.. ولم يكن أحدنا يحتمل فراق الآخر لحظة واحدة.. كبرت ابنتنا الوحيدة وهاجرت مع زوجها قبل خمس سنوات إلي كندا.. كانت طبيعة عمل زوجي أن يعمل ثلاثة أيام طوال الليل وينام بعد كل ليلة ساعات النهار التالي.. وفي الأيام الثلاثة الأخري كان ينام مبكرا ويستيقظ فجرا وبعد أن يصلي ويحضر معه طعام الإفطار يناديني ونجلس معا نتكلم في كل شيء ثم انهض إلي المطبخ لطهي طعام الغداء ومنذ العصر حتي الغروب نكمل كلامنا حتي نشعر بالنعاس دون أن يصل الكلام إلي نهايته.. وحينما أصابه المرض الخطير في الشهور الأخيرة قبل وفاته كان يردد أمامي حتي حينما أتت لحظة الاحتضار أنني سوف 'أوحشه' ولن يؤرقه أبدا في مثواه الأخير سوي أن كلا منا سيكون في مكان.. واقسمت له وقتها أنني لن أتركه ولن أهجر أيامنا الثلاثة أبدا!.. ومات شريك عمري.. ووفيت بعهدي له.. ثلاثة أيام في الأسبوع أحضر إلي هنا مع أذان الفجر ومعي طعام الإفطار والغداء وأظل أحاور زوجي عبد الرحمن وأكاد اسمع صوته حتي تغرب الشمس فأحمل أشيائي ثم أرحل ودموعي فوق خدي!.. أما الأيام الثلاثة الأخري فقد تعودت غيابه فيها منذ سنوات طويلة لم ينقطع فيها عن عمله يوما واحدا!..
صمت الضابط وانسحب بهدوء، لكنه وضع السيدة تحت رقابة غير منظورة عدة أسابيع فليس كل ما يسمعه الضباط يصدقونه !.. بعد أيام كانت التحريات تؤكد للضابط أن السيدة صادقة وأنها تعيش الأيام الثلاثة وكأن زوجها معها.. وباقي أيام الأسبوع في بيتها لا تغادره كأنها مازالت مع زوجها.. وقال أحد جيرانها إنها رفضت السفر مع ابنتها قبل شهور وتشاجرت معها وأكدت لها أنها لن تغدر بأبيها وهو ميت! وقالت إحدي الجارات إنها كانت تشاهد الست فتحية تجلس في البلكونة في نفس المكان الذي كان زوجها يجلس معها فيه قبل وفاته وكانت تشاهدها تحدث نفسها وتبكي !.. لم تعد هناك أهمية لباقي التحريات وما قاله الجيران طالما لم تكن هناك شبهة جنائية فهذا ما يهم الضابط.. أما أنا فلم تنته قصة الست فتحية عندي حتي كدت أراها في منامي فقد كان هذا الضابط هو ابني وظللت أتابع معه قصة هذه السيدة منذ أن كانت شائعة عن عفريت وحتي صارت حقيقة من الواقع وكم تمنيت لقاء هذه السيدة التي أسعدتني حكايتها وأعادت لي بريق الأمل طالما أن هناك أوفياء يعيشون بيننا في هذا الزمن الصعب.. لقد أعادت ذات الفستان الأسود ثقتي في أن الحب لابد أن يطل علينا ويرطب حياتنا مهما كانت قوة الشر التي أصبحت تسيطر علي العالم كله وتفسد دنيانا.. !
 »حي سموحة «
 الحب بمعناه المطلق لا يقتصر بحسب علي العاطفة النبيلة بين إنسان وآخر وإنما يمتد ليشمل علاقة الإنسان - أيضا -  بالإماكن التي ارتبطت بها ذكرياته وخلقت فيه الانتماء بمعناه الواسع للوطن ومحل الميلاد والجذور التي تربط بين الأجداد والأحفاد، وبهذه المناسبة غضب مني صديقي الاسكندراني عاشق الحي الذي تربي فيه طفلا ولم يغادره حتي بعد أن صار « جداً « فهو يعشق حي « سموحة « الشهير بالإسكندرية حتي أنه أوصي بأن يدفن في أقرب مدافن منه.. فوجئ صديقي وأنا أعتب عليه هذا العشق المجنون فأنا أعرف أنه من ألد أعداء الصهيونية ونسي أن يسأل عن « سموحة « الذي أطلقوا اسمه علي الحي المتميز.. أسقط في يد صديقي وهو يسمع مني أن « سموحة « هذا هو أكبر يهودي عاش في بغداد وجاوزت ثروته أرقاما فلكية فكان يتبرع بمبالغ باهظة لمنظمة الصهيونية العالمية في العشرينات لإنشاء حلم الدولة اليهودية في فلسطين !.. انتقل هذا التاجر بعد ذلك مع زوجته « سليمة « وابنه جوزيف إلي الإسكندرية ليبزغ نجمه وتتجاوز أرباحه كل التوقعات فيقرر ابنه بعد وفاة والده دفع ضعف تبرعات أبيه للمنظمة الصهيونية ثم يشتري الابن أرض « بحيرة الحضرة « و» ملاحة رجب باشا « ليبني عليها « حي « للنبلاء وصفوة اليهود وتخليدا لاسم أبيه سماه حي « سموحة « !.. تلون وجه صديقي وسألني هل يعلم محافظ الإسكندرية قصة سموحة هذا ؟!..
قلت له : إن كان يعلم فهي مصيبة فإن لم يعلم فالمصيبة أكبر!
الأحباء يتساقطون
أخشي ما أخشاه علي أحبائي هو قطار الرحيل.. معظم أصدقائي خطفهم مني واقتربت محطتي الإجبارية.
إنه القطار الذي تكفي مقاعده بلايين البشر الذين يولدون ويعيشون الرحلة دون أن يعرف أحدهم متي يجيئ عليه الدور ليترك مقعده إلي عالم آخر.. قطار نعتقد جميعا أنه يمضي بأقصي سرعته دون أن نشعر بمحطات التوقف الكثيرة إلا حين يبلغ أحدنا آخر المشوار وتأتي محطة الوصول المحددة له فينزل دون اختيار ولا تملك أي قوة في العالم أن تعيده إلي مقعده..!
نحن داخل القطار نلهو.. ونضحك.. نجد ونكافح ونعرق.. نحب ونكره.. نأمل ونيأس.. نبطش أحيانا ويبطشون بنا أحيانا أخري.. بعضنا يلعب دور الواعظ وبعضنا الآخر يلعب دور المجرم.. لكن الرحلة مستمرة والقطار يمضي والمقاعد متداخلة والمظلوم قد لا يجد فيها مكانا إلا بجوار من ظلمه.. والمحب غالبا ما يجد مكانه أبعد ما يكون عمن أحبه.. لكن قطار الحياة الذي لا قائد له إلا الزمن ولا قانون يحكمه غير القدر لم يركبه واحد منا بإرادته.. ولم ينزل منه واحد منا بإرادته.. لكننا لا نملك بين محطتي البداية والنهاية سوي أن نفرح بالرحلة.. ونبحث فيها عن أسباب للسعادة حتي ونحن نودع أعز الناس. هؤلاء الذين يترك بعضهم فراغا كبيرا لا يملؤه أحد بعدهم.. أو حتي هؤلاء الذين نكتفي بأن نودعهم بجملة واحدة نوصي بها بعضنا البعض ونحن نقول: 'اذكروا محاسن موتاكم'!.
كل هذه المعاني دارت بخاطري مع آخر أحبائي الراحلين.. انه صديقي الأستاذ مجدي عبد العزيز نائب رئيس التحرير وواحد من أصحاب المدارس الصحفية المتميزة في الصفحات الفنية.. هزني الخبر بشدة لأنني كنت علي موعد معه لن يتم أبدا.. موعد في آخر مكالمة تليفونية قبل وفاته.. لكن سبقت كلمة القدر !.. لقد توقف قطار الدنيا.. وكان المغادر هذه المرة هو مجدي..!
سبقنا مجدي.. وغادر قطار الدنيا.. ولعله كان أسعد حظا لأنه سبقنا إلي لقاء ربه.. وعاد القطار يتحرك من جديد.. لأن شيئا لا يوقفه غير القدر.. ولكل أجل كتاب.. وداعا مجدي !
بقلم زوجة
كتبت تقول: كل ما كان يؤلم أي زوجة فعله زوجي لكني كنت اتقي الله فيه فلم أكن زوجة خائنة مثل زوجة القائد نابليون بونابرت.. ولم أكن مهملة لحقوق زوجي مثل زوجة الأديب العالمي راسين.. ولم أنفذ نصيحة الأديب بلزاك الذي أكد أن المرأة حينما تحب زوجها يجب أن تصبح مثل رجل البوليس، يبحث عن الجريمة أو آثارها أو مبرراتها لتكون قائمة الاتهامات جاهزة دائما لمحاكمة الزوجة! ولا بنصيحة الأديب ترفاني الذي أكد في روايته 'الاختناق' أن الزوجة التي تضع أعصابها في ثلاجة هي الطرف الخاسر!
واختبرته ذات يوم.. طلبت الطلاق فصاح في وجهي 'الباب يفوت جمل'!


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار