زلزال أكتوبر.. العبرة والدرس

محمد بركات
10/9/2018 7:57:18 PM  
 347 

يوميات الأخبار

سيظل زلزال أكتوبر انذارا وتحذيرا، لكل من تسول له نفسه في يوم من الأيام، أو لحظة من اللحظات، المساس بحبة رمل واحدة من أرض مصر الغالية.

نحن الآن في رحاب أيام مجيدة حيث تأتينا نسمات اكتوبر العطرة مشبعة بروائح النصر، وبطولات العبور حاملة معها ذكريات غالية علينا جميعا، ستبقي حية علي مر السنين وتتابع الزمن، تشعل في نفوسنا بصفة دائمة مشاعر العزة والكرامة وحب الوطن والتضحية في سبيله، وتدفعنا لبذل كل الجهد للعبور بمصر الي المستقبل واللحاق بركب الحداثة والتطور.
وعبرة نصر اكتوبر التي يجب ألا تغيب عن أعيننا في كل لحظة، وفي هذه الأيام بالذات التي تتعرض فيها منطقتنا العربية الي أقصي الشدائد والمحن، هي اننا نستطيع رغم كل الظروف وبالرغم من كل العقبات، مواجهة التحديات المفروضة علينا، والتغلب عليها بالجهد والعمل والإصرار وإعمال العقل والفكر، والأخذ بالأسباب مع تحديد الهدف والسعي لتحقيقه والوصول إليه بكل الجدية والإخلاص.
أقول ذلك بوضوح لا لبس فيه ولا مراء، خاصة أن نسمات أكتوبر تهب علينا هذا العام وسط النيران المشتعلة في أماكن كثيرة حولنا، وفي ظل لهيب الأحداث التي تلفح سخونتها الوجوه في منطقتنا العربية بصفة خاصة والشرق الأوسط بصفة عامة.
وأقول ذلك دون مواربة وكلنا نتابع بكل الألم والقلق أحداث العنف المروع الدائرة في أماكن كثيرة من عالمنا العربي، والمآسي الجارية في بلدان ودول شقيقة وعزيزة علينا جميعا سواء في سوريا المسفوح دمها أو ليبيا الغارقة في الفرقة والخلاف أو اليمن المشتتة بالانقسامات والصدامات الدامية أو فلسطين المحتلة المنكوبة بأبشع أنواع الاحتلال.
وأقول كل ذلك حتي لا ننسي ابدا، أن نصر اكتوبر العظيم كان نتاج جهد وعرق وأخلاص المصريين وحبهم الهائل لوطنهم، وانه سيظل دائما نبراسا للحق ونجما ساطعا في سماء المنطقة، يبدد الظلمة مهما اشتدت ويخفف السواد واليأس مهما استشري وانتشر، ويشحذ الهمم مهما فترت ويقوي العزيمة مهما ضعفت.
زلزال اكتوبر
ونحن في هذه الأيام يطل علينا نصر اكتوبر بنوره الساطع عبر بوابات الزمن، ليعيد إلينا وقائع وأحداث تلك اللحظات الخالدة في تاريخ مصر، تلك اللحظات التي بددت مرارة الألم ومشاعر الاحباط وغيامات اليأس، التي حاولت غرس اظافرها الحادة في قلب الوطن في عام ١٩٦٧، وأرادت الاستيطان في وجدانه والسيطرة علي عقولنا في أعقاب ظلمة النكسة ومرارة الهزيمة.
في هذه الأيام تأتينا ذكريات النصر بشموخه الرائع كعلامة فارقة في جبين الأمة المصرية، وكشاهد حي علي صلابتها وقوة ارادتها وايمانها الراسخ بقدرة ابنائها علي حمايتها، واستعدادهم الدائم للدفاع عنها والتضحية بأرواحهم في سبيل تطهير ارضها من دنس الاحتلال الذي يمس طهارة الوطن.
وعلي مر الزمن ورغم توالي السنين والأيام سيظل نصر اكتوبر يحتل مكانا فريدا ومتميزا في تاريخ مصر وستظل هذه الأيام المجيدة تطل بنورها  علينا كل عام، تلقي بأضوائها علي عظمة مصر وحضارتها الضاربة في عمق الزمن.
وسيظل زلزال اكتوبر الذي هز المنطقة والعالم لحظة انطلاق أبطال قواتنا المسلحة، عابرين قناة السويس مندفعين الي الضفة الشرقية، يدكون حصون العدو ويدمرون تحصيناته ويسقطون غطرسة القوة وأوهام الجيش الذي لايقهر،...، سيظل هذا كله انذارا وتحذيرا لكل من تسول له نفسه في يوم من الأيام أو لحظة من اللحظات المساس بحبة رمل واحدة من رمال مصر الغالية.
وبهذا فإنه بالرغم من كل الأحداث التي طرأت علي المنطقة والعالم منذ اكتوبر ١٩٧٣ وحتي الآن، سيظل نصر اكتوبر رمزا للكرامة الوطنية والفداء من أجل مصر، كما سيظل دليلا علي شجاعة وحكمة قادة وضباط وجنود مصر البواسل الذين اتخذوا قرار الحرب وسط ظروف بالغة القسوة والصعوبة وخاضوا المعارك بكل الجسارة والاعجاز وحققوا التحرير والنصر وصولا الي السلام المشرف بعد أن أعادوا كل حبة رمل من سيناء الغالية الي أرض الوطن.
العالم.. والمفاجأة
وهكذا مازالت حرب اكتوبر المجيدة حاضرة في أذهان الجميع، حية في وجدان كل المصريين والعرب أيضا، ورغم مرور الأيام وتعاقب السنين ستظل دائما تلوح في الأفق، مؤكدة للكل قدرة الشعب المصري علي العطاء بلاحدود، دفاعا عن أرضه وكرامته، ورفضا لكل صور العدوان علي وطنه أو المساس بترابه الوطني، واصراره القاطع علي تجاوز النكسة وتخطي الهزيمة وصناعة النصر.
ورغم مرور خمسة واربعين عاما علي حرب التحرير والنصر، لاتزال خططها ومعاركها تدرس في اكبر المعاهد العسكرية في العالم، كواحدة من الحروب التي أدخلت العديد من المتغيرات علي أساليب القتال، واستخدام السلاح، بما يستوجب الوقوف أمامها بالدرس والتحليل واستخلاص العبر والنتائج.
ولسنوات قادمة سيظل الخبراء في الفكر العسكري يتوقفون بالدراسة والفحص أمام مفاجأة حرب اكتوبر وخطة الخداع والتمويه التي نفذت بمهارة فائقة أذهلت العالم كله وأغمضت عيون قادة اسرائيل عن لحظة البدء، ثم صدمتهم صدمة هائلة علي زلزال المدافع الهادرة والضربة الجوية الرائعة، وما حققته من دمار هائل لتحصيناتهم ومطاراتهم ومخازن اسلحتهم ومراكز تجمع قواتهم، ومراكز القيادة والسيطرة لجيشهم في عمق سيناء.
ولسنوات طويلة قادمة أيضا، سيظل كل المتخصصين والمتابعين للشئون العسكرية في المنطقة والعالم، يراجعون بكل الاعجاب كيف استطاع المصريون قهر خط بارليف الحصين، وتدمير دشمه ونقاطه الحصينة بعد عبورهم اكبر وأطول مانع مائي في تاريخ الحروب، رغم ما أكده الخبراء المتخصصون في شئون الحرب في كل الدول العظمي، من استحالة حدوث ذلك بكل الاسلحة والطرق التقليدية، وتأكيدهم أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك هي باستخدام القنبلة الذرية.
الانسان المصري
وفي هذا الاطار لعل الصورة قد أصبحت قريبة الآن من أذهان الشباب والابناء ممن لم يعاصروا أحداث النصر العظيم، وأحسب أنهم الآن يدركون الحقيقة الواضحة التي تقول أنه من الخطأ ان يتصور البعض أن نصر اكتوبر كان حدثا اقليميا ضخما أحدث متغيرات عديدة في المنطقة والعالم العربي،..، كما أنه من الخطأ ايضا ان يقتصر البعض الآخر في فهمه وتقديره لنصر أكتوبر، علي أنه كان زلزالا قويا هز اسرائيل وأدهش العالم، وفرض علي الجميع اعادة النظر في أوضاع المنطقة ومشاكلها وقضاياها.
ولكن الحقيقة تؤكد أن ما حدث في اكتوبر ١٩٧٣، كان في جوهر وتأثيره أكبر من ذلك وأشمل وأبعد أثرا،..، ورغم ضخامة الحدث وقوة الزلزال، ورغم التداعيات التي نجمت عنه وقلبت الموازين وغيرت الثوابت في المنطقة، إلا أن المفاجأة الحقيقية في ذلك كله كانت ولاتزال هي قوة وصلابة الانسان المصري المواطن والجندي، والضابط الذي غير الواقع وصنع واقعا جديدا.
المفاجأة كانت وبحق هي الانسان المصري ابن تراب وطين هذا الوطن وحبه الهائل وغير المحدود لأرضه ووطنه، واستعداده الدائم للدفاع عن ترابه الوطني، وتقديم روحه ودمه فداء لكل حبة رمل من أرضه الطاهرة.
لقد كانت الدلالة العظمي والمعني الأكبر في نصر اكتوبر، هي قدرة الانسان المصري علي تحدي المستحيل، وكسر قواعد ومسلمات كثيرة كانت تؤكد عجزه عن الحركة بعد الهزيمة القاسية والمباغتة التي ألمت به في عام ١٩٦٧، وكانت كل القوي تتوقع استسلامه الكامل لقدره ومصيره في ظل الهزيمة، وحاجته لعقدين أو ثلاثة عقود من الزمن علي أقل تقدير يلعق خلالها جراحة، ويلملم اشلاءه ويجمع ذاته حتي يستطيع النهوض مرة أخري.
ولكن ذلك لم يحدث وخاب هذا التوقع جملة وتفصيلا، وإذا بأبناء مصر ينهضون من كبوتهم في بضع سنين لم تتجاوز الست، ليواجهوا عدوهم ويصارعون عقلا بعقل وارادة بإرادة وذراعا بذراع،...، وإذا بهم يحطمون روح الهزيمة ويودعون النكسة ويقهرون الجيش الذي لايقهر ويحررون ارضهم بعد ملحمة رائعة من القتال والحرب، ويسجلون تاريخا مجيدا للعسكرية المصرية.
العبور للمستقبل
والآن من المهم أن ندرك أنه علي قدر ما كانت حرب اكتوبر علي قدر كبير من الأهمية لمصر وشعبها، فقد كانت كذلك علي درجة كبيرة من الأهمية للأمة العربية، كلها، ففي الوقت الذي حققت فيه لمصر شرف تحرير الأرض واسترداد الكرامة، فقد أكدت لكل الأشقاء العرب، أن أوقات الضعف ليست دائمة، وان ظلمة الهزيمة ليست حكما أبديا علي أمة العرب، وأكدت أن هناك فجرا قادما بعد كل ظلام ولكنه لايأتي بالصدفة، بل يحتاج إلي عمل وكفاح وإعداد وتجهيز ويحتاج الي وحدة الصف ووحدة الهدف والتضحية في سبيل تحقيقه.
والآن.. احسب انه من المهم القول بأن أمامنا معركة لاتقل في اهميتها عن معركة أكتوبر العظيمة، وهي معركة العبور بمصر الي الحداثة والتنمية الشاملة واقامة الدولة العصرية وبناء الانسان القادر علي التعامل مع معطيات العصر وتحقيق لمصر المكانة اللائقة التي تستحقها بين دول العالم،..، انها معركة العبور الي المستقبل الافضل.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار