الجريمة... ونفق الإهمال والتسيب

محمد بركات
3/12/2019 6:43:13 PM  
 371 

يوميات الأخبار

في كارثة الجرار.. كان هناك اجماع علي أن الإهمال والتسيب وغيبة الانضباط وغياب الكفاءة،..، هي العوامل المؤدية للحادث والأسباب وراء الجريمة.
وقعت الواقعة التي لم تخطر علي بال أحد علي الاطلاق من قبل، ولم يتصور أحد إمكانية حدوثها في أي وقت من الأوقات، مهما شرد به الخاطر أو جنح به الخيال،..، ففي مشهد يصعب بل يستحيل تصديقه، ترك السائق مكانه علي مقعد القيادة في جرار السكة الحديد وهرول مسرعاً ليمسك بخناق زميله، سائق الجرار الآخر،..، وفي هرولته نسي أن يوقف الجرار، وغفل عن التأكد من إعادة وضع أجهزة الجرار الي حالة السكون - »الفرامل»‬-،..، بل علي العكس من ذلك، تركها علي وضع الانطلاق والحركة المتسارعة بسرعة فائقة تتعدي الثمانين كيلو مترا في الساعة،..، وهو ما أدي إلي انطلاق الجرار بسرعة كبيرة، واندفاع هائل نحو الرصيف نمرة ستة في محطة مصر، ليصطدم به كقذيفة ضخمة منفلتة من عقالها، لتحرق وتدمر كل ما في طريقها من بشر وأشياء أخري.
المشهد المروع
هذه باختصار هي الصورة المروعة للمشهد الكارثي والمأساوي الذي وقع في الساعة التاسعة والثلث من صباح الاربعاء قبل الماضي ٢٧ فبراير، الذي راح ضحيته العديد من الشهداء والمصابين وبعد المأساة بدقائق.. كانت الحكومة كلها في موقع المأساة، ابتداء من رئيس الوزراء ووزير النقل والمواصلات ووزيرة الصحة ووزيرة التضامن الاجتماعي ووزير الداخلية، وغيرهم من كبار المسئولين،..، الكل غادر اجتماع مجلس الوزراء فور تلقي الخبر الصادم.
ورغم الصدمة وموجات الانفعال والغضب والحزن التي ألمت بالجميع، كانت الحركة متسارعة لمواجهة الأثار الكارثية، التي نجمت عن المأساة،..، وبدأت النيابة العامة التحقيق في ذات الوقت الذي تشكلت لجنة فنية متخصصة للبحث في الأسباب والوقوف علي ما جري وتحديد المسئولية.
لحظتها كان كل مواطن مصري يشعر بألم وحزن عميقين جراء ماحدث.. ولحظتها كان وزير النقل والمواصلات قد قرر تقديم استقالته تحت وقع ما رآه من هول ودمار علي »‬رصيف نمرة ستة» في المحطة، جراء الحادث البشع،...، وقدم الوزير استقالته بالفعل، باعتباره صاحب المسئولية السياسية عن كل قطاع النقل والمواصلات في مصر، سواء في السكة الحديد أو غيرها،...، ولحظتها أيضاً كان سائق الجرار في طريقه إلي بيته لينام،،، طبقاً للرواية البليدة التي ذكرها هو في التحقيقات، وهو ما آثار الكثير من الدهشة والاستنكار من بلادة حسه وجمود مشاعره وغفلة عقله وضميره.
الاهمال
وفور وقوع الكارثة المأساوية وانتشار وذيوع تفاصيلها، أحاطت مشاعر الأسي والحزن والغضب أيضاً بكل المصريين، حزناً وآلما علي الضحايا من الشهداء والمصابين، وغضباً واستنكاراً للتصرف بالغ الجهل والحمق والجنون والاهمال، من جانب سائق الجرار غائب العقل والقلب والضمير.
وفي ذات الوقت انفجر في مصر كلها اعصار عاصف، من الآراء والرؤي، حول ماحدث وما جري وتشخيص أسبابه ودوافعه،..، وكان هناك اجماع كامل من كل من أدلوا بدلوهم فيما قيل وما كتب، علي أن الاهمال والتسيب وعدم الانضباط، هي العوامل المؤدية للحادث والأسباب وراء وقوعه بالصورة التي وقع بها، رغم غرابته وعدم معقوليته بل وصعوبة تصوره.
وهكذا شاهدنا وقرأنا وسمعنا عبر كل وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة، آلاف الأراء والمقالات تتحدث عن الاهمال، باعتباره الجاني الحقيقي والمسئول الأول عن هذه الجريمة البشعة،..، وأيضاً هو المسئول عن غيرها من الأحداث المؤلمة والوقائع المؤسفة، التي تعرضت لها السكة الحديد  سابقاً، وما يمكن ان يحدث لاحقاً، إذا ما استمرت الأحوال علي ماهي عليه من ترد وتدهور.
وفي هذا الشأن ورغم شبه الاجماع الشامل في الآراء والرؤي المتعددة، علي اتهام الاهمال بالتسبب في جريمة الجرار، إلا أننا رأينا بعض الدعوات بالتريث وعدم التسرع، والابتعاد عن الانسياق وراء الاحكام المتسرعة أو المسبقة، والانتظار لما ستسفر عنه التحقيقات الجارية من جانب اللجان الفنية، التي تم تشكيلها للبحث في أسباب الحادث البشع، وكذلك التحقيقات التي تجريها النيابة العامة لتحديد المسئولية والوصول إلي المتسبب والمسئول.
ولكن رغم ذلك ظلت الغلبة الكاسحة في الآراء المتعلقة بالحادث المأساوي تؤكد، ان هذا الحادث وغيره من الكوارث الواقعة عندنا، وخاصة في مرفق السكة الحديد، تمر كلها دائماً عبر نفق مظلم يعلمه الجميع، وهو نفق الاهمال والتسيب وغيبة الانضباط، وغياب الالتزام بالقواعد المعمول بها والمتفق عليها، سواء كانت القواعد المنظمة للعمل بصفة عامة، أو تلك القواعد الخاصة بالأمان والسلامة المهنية، المطبقة في جميع الدول وفي كل القطارات.
أخطاء بشرية
وفي ظل هذه الرؤي وتلك الآراء، أصبحنا أمام حالة من الاقتناع التام لدي الجميع بحقيقة مؤكدة تقول بأن غالبية ان لم يكن كل الحوادث الدامية والنكبات الجسيمة، التي تقع في هيئة السكة الحديد، تأتي كنتيجة مباشرة للإهمال والتسيب والاستهانة بقواعد الأمان واجراءات السلامة الضرورية واللازمة للحركة والسير علي القضبان وكذلك في المحطات. ورأينا إجماعا أو شبه إجماع علي أن كل الحوادث المؤلمة في هذا القطاع، التي يتكرر وقوعها علي فترات متقاربة، ويسقط فيها العديد من الضحايا الابرياء، تحدث نتيجة الاخطاء البشرية الفادحة والقاتلة، التي تعود إلي الاهمال الشديد والتسيب الجسيم المستشري في هذا المرفق، الذي أدي إلي ما تراه من غياب الكفاءة والانضباط،..، وغياب الضمير ايضاً.
وفي هذا دعوني اصارحكم القول في اطار الشفافية والمصارحة الواجبة بيننا جميعاً بصفة عامة، وبين الكاتب والقاريء علي وجه الخصوص،..، بأنني علي الرغم من اتفاقي في الرأي مع من يقولون بأن كارثة جرار محطة مصر للسكة الحديد تمر عبر نفق الإهمال المظلم، المليء بالتسيب وعدم الانضباط، وغيبة الالتزام بالقواعد المنظمة للعمل بصفة عامة، وغياب تطبيق قواعد الأمان والسلامة المهنية علي وجه الخصوص،..، حيث انني أراه قولاً صائباً وصحيحاً الي حد بعيد، وادرك ان صحته تتمثل في تعبيره التام »‬للأسف» عن الواقع القريب الذي تشير إليه كل المعطيات والملابسات الخاصة بالكارثة، بالغة الغرابة وغير المسبوقة في وقائعها، والتي تؤكد أنه لم يسبق لسائق جرار سكة حديد في العالم كله، ان ترك موقعه في قيادة الجرار دون ان يوقفه، ودون أن يؤمنه بالفرامل، بل يتركه ليندفع كالصاروخ أو القنبلة ليدمر ويحرق الرصيف ومن عليه.
لا.. للتعميم
ولكن علي قدر صواب وصحة هذا القول من وجهة نظري، إلا أنني أري بوجود خطأ واضح في هذه الرؤية، وأن هذا الخطأ الجسيم من وجهة نظري يتمثل في جنوح البعض بل الغالبية، الي تعميم الاتهام بالاهمال ليشمل كل المصريين، ويتحول الي صفة سالبة وسمة سيئة لاصقة ومرتبطة بالمصريين جميعاً،..، وهذا في يقيني خطأ جسيم لا يصح ولا يجب الوقوع فيه.. هذا الجنوح في التعميم هو خطأ بالفعل، حيث ان الواقع يؤكد ان تلك الظاهرة هي ظاهرة فردية عارضة، أصابت البعض منا كما يحدث في كل المجتمعات،..، ولكنها لم تصب كل المصريين، وان هناك غالبية من العاملين في كل المواقع بخير، ويؤدون عملهم بالقدر الواجب من الالتزام والشرف والأمانة، دون أهمال أو تسيب أو فساد،..، والقول بغير ذلك خطأ.
وازيد علي ذلك بالقول، بأن لمثل هذه الامراض الاجتماعية طرائق ووسائل للعلاج، تعارف عليها العالم وأخذت بها كل الدول والمؤسسات والهيئات الانتاجية والخدمية في كل بلاد العالم المختلفة.
التدريب.. والحساب
وأول هذه الوسائل هو التدريب والتأهيل الجيد لكل العاملين، في تخصصاتهم المتنوعة والمختلفة والمتعددة، في ورش متخصصة، أو مراكز تدريب نوعية ذات كفاءة عالية في المجالات التطبيقية والعملية، أو معاهد علمية تطبيقية ذات مستوي علمي وعملي كفء.
وثاني هذه الوسائل، هو وجود نظام عملي وموضوعي للرقابة الايجابية والفاعلة، علي السلوك العام وحسن الأداء والالتزام. التام بقواعد العمل واصول المهنة، يتم علي اساسه تحديد الكفاءة والجودة، ويتم علي اساسه الثواب والترقية أو العقاب.
أما ثالث هذه الوسائل فهو الحساب الحازم والرادع بالقانون، لكل اهمال أو تقصير أو تسيب أو عدم انضباط أو تهاون،..، هذه هي قواعد العمل في أي مكان وفي أي موقع، من مواقع الانتاج أو الخدمات في كل الدول الساعية للتقدم والتنمية.
الثواب.. والعقاب
وخلاصة القول في هذا الشأن.. هي اننا إذا اردنا حقاً وصدقاً القضاء علي الاهمال والتسيب وعدم الانضباط وغياب الكفاءة، والتخلص من كل السلبيات الأخري التي اصابت البعض منا، فيجب ان نأخذ بقواعد العمل التي تسير عليها كل دول العالم المتقدمة، وان نلتزم بالثوابت التي باتت راسخة في عقول وأذهان البشر جميعاً الان، علي تعدد السنتهم واختلاف مستوياتهم الاجتماعية والثقافة والاقتصادية،..، والتي تؤكد ان الوسيلة الناجعة للتقدم والتطور هي بالعمل الكفء والمنضبط،..، وهذا لن يتم دون تدريب جيد ومهارة عالية والتزام كامل بقواعد العمل وأصول المهنة، وتطبيق عادل وصارم للقانون علي الكبير والصغير بالثواب.. والعقاب.


الكلمات المتعلقة


شكاوى الأخبار